…والفاهم يفهم!
وجد أمس الصحافيون أنفسهم “في عطلة” أو في الانتظار، فقد تعبوا من محاولاتهم “استنطاق” أطياف الطبقة السياسية، من أحزاب الموالاة والمعارضة، لتسجيل مواقفهم الأولية، حول الإعلان عن تفاصيل ومضامين تعديل الدستور، ولم يجنوا إلا القليل من التصريحات، إلاّ بعد ساعات طويلة من التريّث والتباطؤ والاستشارة أيضا!
قد يكون عدم التسرّع في الكثير من الحالات، حكمة وفيه موعظة، لكن الظاهر أن الطبقة السياسية، أو على الأقل أغلبها “ما فاهم فيها والو”، أو أنه “فاهم كلّ شيء”، ولذلك، لا يُسارعون ويتباطأون، وأحيانا يتخاذلون ويتجاهلون ويتماطلون ويتقاعسون، لحاجة في نفس هؤلاء وأولئك!
لم يسمع عامة الجزائريين، بالطبقة السياسية، تـُثرثر إلاّ في “الهدرة الفارغة”، التي لا تـُسمن ولا تغني من جوع، وكلما تعلق الأمر بقضية هامة ومصيرية، أو خطيرة، فإن “الجميع” يصمت، والقليل فقط من السياسيين من يُبادر إلى الكلام والتصريح، والشدّ والمدّ، من باب أن الصمت حكمة!
لم يتكلـّم الساسة كثيرا، أو أنهم تأخروا وأجّلوا كلامهم، إلى حين، عندما تعلق الأمر اليوم بالإفراج عن الدستور، رغم أنهم تكلموا كثيرا قبله، كما لم يتكلموا مثلا بعد التوقيع على قانون المالية لسنة 2016، بالرغم من أنهم رافقوه منذ الإعلان عنه بالجدال والسجال، ووصل الأمر إلى حدّ التنابز والتعارك في قبة البرلمان بين النواب!
من السياسة أن لا يتسرّع رجل السياسة، وصانع السياسة، والمشارك في صناعة القرار السياسي، وهذه صفة من صفات الحنكة السياسية، لكن أن يلتزم السياسيون صمت القبور، عندما يجب أن يتكلموا، فهذا ما لا يُمكن أن يستوعبه المواطن البسيط، الذي أصبح مضطرا للكفر بالسياسة والكثير من السياسيين الذين يُمارسون السياسة بالمقلوب!
من غرائب وعجائب الطبقة السياسية، أنها تتكلم عندما ينبغي أن تصمت، وتصمت حين يجب عليها أن تتكلّم، ولذلك، فإنها عندما تتكلّم في الأول لا تجد من يسمعها، أو يُؤوّل كلامها، وحين تصمت في الثانية، تقوم عليها الدنيا ولا تقعد، والكلّ يتهمها ويخوّنها ويُجرّمها!
نعم، السياسة هي فن الممكن والكذب، ولذلك، لا غرابة في هذا ولا عجب في ذاك، لكن يجب الإشارة إلى ظهور وتنامي وبروز جحافل من أشباه السياسيين، والمتشبهين بالسياسيين، ممّن سمّنتهم تعددية حزبية على مدار 25 سنة من الزمن، وحرمت الأغلبية الساحقة من “المبتدئين” والذين لا يرغبون في التعلم، من التسيّس، بما دفعهم دفعا نحو “الهفّ والفستي” كبديل ومخرج نجدة!