والفو الهفّ!
كانوا “مكستمين مكرفطين”، في قمّة الشياكة، يقفون على الأرصفة ويُراقبون عمل الآلات والعمال من حولهم.. حملة تنظيف واسعة للمكان، تطهير ورشّ بالماء، غسل البلاط والساحات العمومية، تنقية الطريق وتجنيد غير مسبوق للإدارة وأعوان النظافة والمير وحاشيته!
هذا المشهد الاستثنائي “الغريب والعجيب“، لن يتعوّد عليه مواطنو تلك البلدية، مثلما وقفوا عليه صبيحة ذلك اليوم غير العادي. لم يسبق لهم أن التقوا بالسيد المير ولا بأعوانه، وقد تكيّفوا مع القمامة و“الشوك” في أرجاء الطريق، وتعايشوا مع الزبالة في كلّ مكان وزمان!
عملية البريكولاج تمّ اختزالها في ذلك المكان فقط، فكلّ الطرقات والساحات والأماكن الأخرى للبلدية، لم تستفد من “حملة ذات منفعة خاصة“. وشخصيا، لم أستوعب تلك “الثورة“، ولم أفهم الحكاية، وإن كنت قد رسمت كغيري سيناريوهات تعوّدنا عليها من قبل!
بالمختصر المفيد، هي توطئة لتحضير زيارة وزارية، لا يُستبعد أن تكون “تفتيشية فجائية“. وهو ما قد يفسّر سرعة الأشغال وانطلاقها في الصباح الباكر، لكن استقبال الوفد “بالزرنة” والتمر والحليب، أخلط أوراق الفضوليين، ولم يفهموا إن كانت الزيارة رسمية مبرمجة، أم “سرّية” تمّ إفشالها من طرف متواطئين ومتورّطين يخافون على مصالحهم!
أعتقد، مثلما يعتقد عامة الناس، أن الوالي أو الوزير المعني بهذه الزيارة، متورط في عدم فضح الحقيقة، وإلاّ لماذا لا يُباغت “الهفافين” ويغيّر وجهة زيارته، أو على الأقلّ يوسع برنامج عمله، بما ينقله إلى المواقع غير المزوّقة، ويكشف بالتالي فضيحة التبليط و“التبلعيط“؟
نعم، لقد “والفوا الهفّ“، ولذلك يُراوغون ويخدعون ويغرسون أعمدة كهرباء دون توصيلها بالتيار، ويزيّنون الطرق بأشجار “ميتة“، ويعبّدون الأرصفة بزفت منتهي الصلاحية، ويصبغون الجدران بالجير، ويتكستمون ويتعطرون ويُصافحون الوزير، ثم يعودون إلى مكتب توضع فوقه يافطة: “السيد رئيس المجلس الشعبي البلدي“!
هم أميار يتحايلون على الساكنة ويحوّلون البلديات إلى شركات “صارل“، وينتظرون انتهاء الخمس سنوات، فيكتفون بـ “الغنيمة” أو يترشحون مجددّا بعدما “والفوا” دفء المجالس المخلية ويغيّرون أرقام هواتفهم بمجرّد مرور “الهملة” الانتخابية.. والأكيد أن لكلّ مواطن ذكرى وذاكرة مع “المير“، الذي يسيّر بلديته بمنطق “الموالفة خير من التالفة“!