وباء “كورونا”.. دروس وعبر
قوارع تتعاقب ونُذر تتوالى وآيات تترى، في العقود والسّنوات الأخيرة، كان يفترض أن تحرّك النّفوس وتهزّ الأرواح، لكنّ البشرية في هذا الزّمان قد قست منها القلوب وتحجّرت العيون إلا من رحم الواحد المعبود، وما عادت تعتبر بالنّذر والآيات ولا تهتمّ بأخذ العبر والعظات.. ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُر)).
أخذت الدّنيا بمجامع القلوب واستولت عليها، فقست وتحجّرت وما عادت تتحرّك إلا قليلا.. ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)).. استشرى الفكر العلمانيّ الماديّ وضعف الإيمان بالغيب عند كثير من النّاس، وما عادوا يؤمنون إلا بما هو محسوس ملموس! ونتج عن ذلك أنّ القوارع والنّذر والآيات أصبحت تمرّ دون تفكّر أو اعتبار، وأخبار الزلازل والأعاصير والفيضانات والأمراض التي تصيب الدول والشّعوب، ما عادت تختلف عن أخبار المهرجانات والمنافسات! بل أصبح الحديث عن أثر شيوع الظّلم وكثرة المعاصي في حلول الكوارث والنّكبات، يثير السّخرية ليس لدىاللادينيين فقط، بل كذلك لدى بعض المسلمين الذين اصطبغ فكرهم بالعلمانية، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “ومن تأثير المعاصي في الأرض، ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح لتأثير شؤم المعصية في الماء، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة بقدر نواة التمر، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب”.
في زمن مضى لمّا كانت القلوب حيّة، كان نبيّ الهدى -صلّى الله عليه وسلّم- إذا رأى الغيم أو الرّيح عرف في وجهه الخوف، فلمّا سألته أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقالت: يا رسول الله، إنّ النّاس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟! قال: يا عائشة، ما يؤمّنني أن يكون فيه العذاب؛ عذّب قوم بالرّيح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا”.
من الأمثلة الدّالة على طغيان المادية على عقول وقلوب كثير من المسلمين فضلا عن غيرهم، هذا الجدل الذي بدأ ولا يزال مستمرًّا حول فيروس كورونا؛ إن كان عقوبة أم مؤامرة؟ إذ لم يزل بعض المسلمين يطرحون نفس الإشكالات التي تدلّ على بعدهم عن القرآن وقلّة فهمهم عن الله ورسوله وسجنهم عقولَهم في إلزامات غير لازمة! ومع هذه الإشكالات والجدل الذي يصحبها، غفلنا عن الاعتبار بهذه النّازلة التي أرهبت أكثر من مليار و700 مليون إنسان في هذا العالم.
لا أحد من المخلوقين يملي على الله أو يتألّى على العليم الخبير –سبحانه-فيما يفعل، ولا أحد يملك الحقّ في أن يجزم بأنّ فيروس كورونا هو عقوبة لهذه الدّولة أو تلك، أو عقوبة للعالم جزاء سكوته عن كثير من المظالم، ولكنّنا بالنّظر في آيات الله المكتوبة وفي سنته الماضية فإنّنا لا يمكن إلا أن يغلب على ظنّنا أنّ الأمر يتعلّق بعقوبة منذرة والعلم عند الله.
ربّما لن يدوم هذا البلاء حتى يكشفه الله عن العالم، لكنّه ينبغي أن يكون درسا وموعظة لنا جميعا، ينبّهنا إلى ضعفنا وقلّة حيلتنا أمام قدرة العليّ العظيم جلّ شأنه؛ فهذا مخلوق مجهريّ أثار الرّعب والذّعر في نفوس سكّان القارات السّبع، كيف لو أراد الله أن يسلّط على البشرية بعضا ممّا سلّطه على الأمم الخالية؟ مهما بلغت البشرية في تقدّمها العلميّ فإنّها ستظلّ ضعيفة أمام قدرة القدير سبحانه.. ومهما تخلّت البشرية عن نصرة المظلوم وسكتت عن الظّالم، فإنّ الجبّار المنتقم قادر على أن ينتقم لعباده ويسقط كلّ باغٍ من العلياء إلى الغبراء.. من واجب البشرية أن تطلب العلم وترتقي في مدارجه وتسبر أغوار الكون، لكنّها لا ينبغي لها أبدا أن تغترّ بما وصلت إليه، فما تعلمه لا يمثّل قطرة ماء في بحر علم العليم الخبير سبحانه، ((فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)).. مهما وصلنا إلى معرفة أسباب بعض الكوارث والنّكبات، فلا ينبغي أن يصرفنا ذلك عن الاتّعاظ والاعتبار والنّظر في الأسباب غير الظّاهرة، حتى لا تكون حالنا كحال من قال الله فيهم: ((يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُون)).
من الدّروس والعبر التي ينبغي أن تستخلص –كذلك- من تفشّي وباء كورونا أنّ المجتمعات المادية ليست مثالية في أخلاقها، بل إنّ ماديتها قد تكون وبالا عليها في أوقات الأزمات، وهذا ما حصل مع بعض الصينيين في هذه الرزية، حيث أصبح بعض المصابين بوباء كورونا يتعمّدون السّعال والبصق في وجوه من هم حولهم حتى ينتشر المرض بينهم ويعمّ.. وإذا كان هذا فعلهم ببني بلدهم وفعل بعضهم ببعض، فكيف يمكن أن يكون فعلهم بغيرهم من النّاس؟
مثل هذه القوارع والبلايا ينبغي أن تحدونا للعودة إلى الله والاحتماء بحماه، وعلى التّوبة وكثرة الاستغفار، فما نزلت بلية إلا بذنب ولا رفعت إلا بتوبة، ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون))، كما ينبغي لنا أن نكثر من الدّعاء والإلحاح على الله بأن يدفع عنّا كلّ بلاء ويردّ عنّا كلّ وباء، ومن الأدعية النّافعة بإذن الله، ما أثر عن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان يدعو قائلا: “اللهمّ إنّي أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيّئ الأسقام”، ويقول أيضا: “اللهمّ إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرةِ. اللهمّ إني أسألُك العفوَ والعافيةَ في دِيني ودنيايَ وأهلي ومالي. اللهمّ استُرْ عوراتي وآمِنْ روعاتي. اللهمّ احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذُ بك أن أُغْتَالَ من تحتي”.