وثائقي “ARTE” يضع وصفة بنجامان ستورا لمصالحة الذاكرة
حمل الفيلم الوثائقي الذي شرعت في بث جزئه الأول كل من القناة الألمانية الفرنسية (arte) والقناة الفرنسية الثانية (فرانس 2)، ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، شهادات من مختلف الأطياف التي صنعت أو عايشت الحدث إبان الثورة التحريرية المظفرة.
بث هذا المسلسل الذي حمل عنوان “في حرب من أجل الجزائر”، يتماشى والتوصيات التي ضمنها المؤرخ الفرنسي، بنجامان ستورا، في التقرير الذي سلمه للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والذي يعتبر بمثابة الوصفة التي يبحث عنها الطرف الفرنسي، من أجل تحقيق التقدم على صعيد المصالحة بين الذاكرات، التي وضعها ماكرون من بين أولوياته في عهدته الأولى التي تشرف على نهايتها.
المسلسل كان ثريا من حيث تنوع الشهادات، فقد حضرت تلك الموالية لجبهة التحرير الوطني، التي كانت تدافع بشراسة عن استقلال الجزائر بكل السبل المتاحة، إضافة إلى شهادات لبعض الأوروبيين واليهود الذين كانوا في الجزائر، غير أنه لم ينقل ولم يوثق بشاعة الاستعمار وجرائمه في الجزائر على مدار أزيد من 132 سنة.
من بين الذين وثق المسلسل شهادتهم، شاب فرنسي مجند للخدمة الوطنية، يدعى ستانيسلاس إيتان، الذي جند في مدغشقر، ثم تم تحويله إلى الجزائر. يقول في شهادته: “كان ذلك في نوفمبر 1955. كان عمري للتو 24 عامًا. لقد عدت من مدغشقر، حيث كنت قد أكملت لتوي خدمتي العسكرية التي استمرت ثمانية عشر شهرًا. كنت أتدرب في الفلسفة في مدرسة دينية بالقرب من بوي أون فيلاي. تلقيت استدعاء. عندما علمت أن علي الذهاب إلى الجزائر، علمت أن هناك حروب الاستقلال. كنت أعرف لماذا كانت هناك ثورات. لقد عشت للتو في المستعمرة. سألت نفسي السؤال: “هل سأذهب أم لا؟”.
وتحدث هذا المجند عن حالة المعاناة التي اجتاحته عند تلقيه استدعاء التجنيد: “لقد سألت والدي: إذا لم أغادر، فهل أعتبر فارا؟ فرد علي والدي: “ستكون أكثر نفعًا على الأرض بين الرجال..”، غير أنه قرر الذهاب في الأخير..”، فيما أظهرت فيديوهات أخرى، تقديم خدمات اجتماعية للجزائريين، من قبيل قيام بعض أطباء الجيش الفرنسي بفحص النساء والأطفال وهم في وضع مأساوي بسبب المرض والفقر..
وبينما كانت شهادات المجندين الفرنسيين تائهة بين التفكير في عصيان الأوامر العسكرية والخوف من أهوال الحرب، كانت شهادات الجزائريين تتمحور أوضاعهم المزرية، على البؤس والمعاناة، المدنيون منهم تحدثوا على الفقر والعوز، وفوق ذلك الضرائب غير المبررة التي كان الاستعمار الفرنسي يفرضها من دون وجه حق على الجزائريين، كما قالت إحدى المسنات الجزائريات: “كانوا يفرضون الغرامات حتى على لحى الرجال!”.
أما المناضلون والمطالبون باستقلال الجزائر، فقد قدموا شهادات عن بعض أعمالهم البطولية.. كيف كانوا يجتازون خطي موريس وشال المكهربين، لجلب السلاح إلى الداخل، والأهوال التي واجهتهم في ظل غرز العدو الفرنسي لما لا يقل عن 12 مليون لغم، تسببت في قتل وإعاقة عشرات الآلاف من الجزائريين.
الحركى كان لهم حضور في هذا المسلسل الوثائقي الذي عرض فيديوهات نادرة تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وكانت السمة البارزة في إحدى الشهادات، أن الفقر والحاجة كانتا السبب المباشر لالتحاقهم بالجيش الفرنسي بالإضافة إلى حالات أخرى، الأمر الذي لا يمكن تبريره تحت أي مسمى كان.
اللافت في هذه الشهادات، هي تلك التي صدرت عن فئة المعمرين “الكولون”، وهي شهادات نقلت “نوستالجيا” إلى الجنة المفقودة، الجزائر كما يحلو لهم تسميتها. هذا الصنف مثلته امرأة شقراء أنيقة، استحضرت فترة طفولتها ببلدية سيدي موسى في عمق المتيجة.. كانت تتحسر على ذلك الزمن الجميل، قالت بحرقة: “والدي حل بالجزائر في عام 1848 بأرض جد خصبة تقع في منطقة المتيجة.. كان عبق أزهار البرتقال يذهب النوم عن عيني حتى في الليل..”.
المسلسل وثق شهادات من مختلف الأطراف التي حملت السلاح، كل حسب خلفيته، فبينما حارب الجزائريون من أجل التحرر واسترجاع حقوقهم المسلوبة، حارب الفرنسيون من أجل الحفاظ على أرض نهبوها، وكذلك “الكولون” الذين خافوا من ضياع ما امتلكوه من دون وجه حق، أما “الحركى” فكانوا الفئة الأكثر بؤسا..