-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وجهان لعملة “صليبية” واحدة

حبيب راشدين
  • 3171
  • 0
وجهان لعملة “صليبية” واحدة
الأرشيف
وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي

انهيار التوافق الروسي الأمريكي حول سبل تسوية النزاع السوري وعودة الاقتتال بضراوة على مدينة حلب، هو مؤشر قوي على استماتة الطرفين الأمريكي والروسي في صرف تكالبهما على المغانم بمزيد من الدمار لسورية، ورغبة أكيدة في تأبيد الحرب في منطقة يرون أن قتل المدنيين فيها محض “أضرار جانبية” لا يحق لمجلس الأمن أن يلتفت إليها.

من يتابع ـ بكسل ـ الحرب في سورية، قد يُخدع بهذا التصعيد الأمريكي الروسي، وقد وصفه بعضهم بالانزلاق الخطير نحو تفجير حرب عالمية ثالثة، مع أن الطرفين كانا أقرب إليها في شهر أوت من سنة 2013 على خلفية التحضير الأمريكي لتوجيه ضربة جوية وصاروخية لسورية، قبل أن يتوافق الطرفان على مخرج حفظ لهما ماء الوجه، وفتح الباب أمام ما عنونتُ له وقتها بتاريخ 31 أوت 2013: “من التأديب بالحرب إلى تأبيد الحرب”، وهو تحديدا ما حصل وما سيحصل بعد هذا الانهيار الجديد للتوافق الأمريكي الروسي.

وما وصفتُ به وقتها الصلف الأمريكي، يصلح اليوم لتوصيف الصلف الروسي، حيث  يبدو بوتن “كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا” يأتي بما كان يتهم به المعسكر الأمريكي، ويواصل استهداف المدنيين العزّل في حلب ومدن سورية كثيرة بوابل من الصواريخ، وقد خسر الروس في هذه الحرب “عذريتهم” وما كانوا يدّعون من واجب احترام القانون الدولي، وتحكيم مؤسّسات الشرعية الدولية منذ بداية العدوان الأمريكي الغربي على العراق، وانتهاء بعدوان الناتو على ليبيا، فلا فرق عندي بين قصف طائرات الناتو للمُدن الليبية بحجّة حماية المدنيين من طيران القذافي، وبين قصف الطيران الروسي لحلب بحجة تطهير المدينة من “الجماعات الإرهابية”.

في نفس المقال ذكرتُ أنه “ما كان للدولة السورية ولحليفها الروسي أن ينخدعا بما ظهر من وهن في صفوف وقوى الحلف الغربي، لأن تاريخ الغرب المسيحي اليهودي الحديث يشير إلى أن “النخبة الغربية المجرمة” قد عوّدتنا على أنها تتصرف بسلوك الجوارح والكواسر، التي لا ولن تتخلى عن الفريسة تحت أيّ ظرف، والفريسة السورية كانت منذ البداية صيدا استراتجيا ثمينا، لا يمكن للغرب -المتراجع نفوذه في أكثر من ساحة- أن يغامر بسقوطه الكامل والنهائي دون قتال”.

وبعد مرور ثلاث سنوات، أعترفُ أن ما يصلح في توصيف “النخبة الغربية المجرمة” يصلح لتوصيف “النخبة الروسية المجرمة” وأنه إذا جاز لبعضنا توصيف الاعتداءات الغربية بـ”الحرب الصليبية الفرنجية” فإن السلوك العدواني لبوتن يجيز لآخرين توصيف العدوان الروسي بـ”حرب صليبية” موازية تقودها نصرانية الكنيسة الأورثذوكسية الشرقية بنفس الغلّ والكراهية للمسلمين الذي طبع ويطبع جميع الحروب الصليبية الفرنجية منذ حملة أوربان الثاني.

الآن وبعد المهزلة التي شهدها مجلسُ الأمن هذا الأسبوع، فقد تكشَّفت الصورة للجميع، وبتنا نعلم لمن ندين بتأبيد هذه الحرب الآثمة، فلا يُحسن بالعقلاء في المنطقة استشراف نهايةٍ قريبة للمحنة السورية قبل أن تتوصَّل روسيا وأمريكا إلى قسمة ترضي الطرفين، في عالم يخرج بتثاقل من الهيمنة الأمريكية الغربية المتراجعة، ويسير بتعثُّر نحو تعدّدٍ قطبي قد كُتب على العرب والمسلمين دفع كلفتها من دمائهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!