وداويني بالتي كانت هي الداء…
عندما ينتفض قطاع مثل “التربية” و”الصحة” و”التعليم العالي”..تزامنا مع انتفاضات أخرى في قطاعات أخرى، نكون بذلك أمام نهاية”استراحة المحارب” التي تمت بتفاهم مع نقابة الدولة. سكت المنتفضون دهرا ونطقوا..هدرا..! لا صمت بعد اليوم: الصمت لا يشترى بزيادة في أجر قاعدي أو تقاعدي. الذمة لا تشترى بالمال، والمال ليس ملك أحد، حتى الدولة، لا تملكه، فهو ملك الشعب، وليس لأحد الفضل على الأخر في التصدق به على أحد من الغاشي الذين ترى فيهم السلطة مجرد رعاع وسواد!! .باختصار..”غاشي” (على رأي بوكروح”!).
أن نتعامل مع الأطباء والجامعين والأساتذة والمعلمين الذين هم رأس أي بلد، وفكره وعقله ومخه ومدبر شؤونه ومفبرك عمله، كما نتعامل مع الأجير، الخدام، الماصو (مع احترامي وتقديري لكل المهنيين والمهن الشريفة ولكل عمل شريف كيفما كان ومهما كان!)، فإننا بذلك نعلن عن قلة احترامنا للعقل..أي للإنسان! ومن لا يحترم الإنسان، المكرم من الله بالعقل، فلا عقل له، ومن لا عقل له، فهو بهيمة تدب على الأرض..والبهائم لا يمكن أن تكون أكرم من الإنسان الذي كرمه الله على كل الكائنات غير العاقلة وسخر له الكائنات غير العاقلة خدمة له..لا العكس..الذي نراه يحدث عندنا ومعنا!
نمت على إضرابات الأطباء، لأجد نفسي أنا هو زير الصحة (وزير لا علاقة لي بالصحة.. وكل علاقتي هي مع “المرض”!!..مريض نفسيا.. خريج المستشفيات العقلية، لهذا فأنا أكره المآزر البيضاء وسكان المستشفيات من المرضى والممرضين! أكره المرضى والأطباء وأحب المرض!) قلت لأطباء ومدراء المستشفيات والعاملين الإداريين والممرضين والممرضات والمرضى والمريضات، وهذا في زيارة ميدانية لي لمستشفى صغير بالقرب من وزارتي (المستشفى الوحيد الذي أزوره..من حين لأخر.. مستشفى أحبه.. لأنه “يشفني”! ما فيه لا إبرة ولا فاصما.. ولا فرملي ولا طبيب..من غير مديرة وسكرتير..رجل! لأول مرة أرى رجلا سكرتيرا! ربما لأن المديرة امرأة!!.. ففضلت أن يكون سكرتيرها رجلا….! كما يفضل الرجل المدير أن تكون سكرتيرته امرأة!..ما نيش عارف علاش؟..). جمعت بعض الأطباء بموعد مسبق وقلت لهم أمام الصحافة والتلفزيونات المدعوة لحفل غذاء!” نحن لا نمرض..ولا يجب أن نمرض..لا بالإيبولا ولا بالبولا..! تعرفون لماذا؟ لأننا نحن هم “المرض”..! المرض هو من يهاب ويهرب منها إذا حضرنا! الفيروسات لما ترانا “تعطيها”! الميكروبات..كي تشوفنا..تسكيفي..! الجزائري لا يجب أن يمرض، لأنه إذا مرض، فعليه أن يرفع أصبعه بالشهادة! الموت أحسن من البقاء حيا..لهذا نسعى إلى تخفيف الموت على من يريده.. وحتى على من لا يرده، باش؟ بأن نجعل من المستشفيات مقابر ..أو مكاتب للانتقال إلى رحمة الله!..من دخل مستشفى لا يجب أن يخرج..! ومن الأحسن ألا يدخله مريض حتى لا نضطر إلى إخراجه بالسيف! ماذا نفعل بشعب لا يعمل ويأكل أكثر مما ينتج، ويطالب أكثر مما يفعل، ويهدر أكثر مما يخدم؟ ماذا نفعل بشعب “كيف ما تعمل معه ما تسلكش”؟..شعب لا يتركنا ننعم بالقيلولة…! ما يقيلناش حتى وقت المقيل! يقول ما لا يقال، يتقول علينا بكل الأقاويل..! نحن نريد أن يبقى من الشعب أقليته الساحقة، ومن الغاشي بعضه، فقط لكي يكون عندنا ديكور شعب نفتخر به أمام الأمم ونتباهى به أمام الشعوب: شعب لا يقول لا أبدا..شعب يحترم الدولة والقانون ويقدس الوطن والعلم والثورة ويموت واقفا لأجل أمجاده وقادته السياسيين وزعمائه “الأحياء منهم الأموات”.

قلت لهم أيضا: أننا نحتفظ بأطباء قليلين نكونهم في الخارج ونخرجهم من الداخل، لعلنا نحتاجهم لبعض الحالات الطارئة عندنا هنا في الداخل. أما أطباؤنا نحن، فنستوردهم من الخارج بالعملة الصعبة لكي يقومون بالعمايل الصعيبة..! العمليات التي تصعب علينا. ندفع لهم رواتب عشرين أوخمسين طبيبا “لوكال”..لأنهم سيكونون أطباؤنا الأوفياء! أطباء أبنائنا وبناتنا ونسائنا وأقاربنا الذين سيكونون جاهزين للتصدي لأي برد أو ريح أو عطسة أو كحة أو انتفاخ بطن أو احمرار عين أو عسر هضم أو بواسير أو انحباس في المواسير.. أو دياري أو عسر ولادة في المراحض..! البقية، نرسلهم للعلاج في الخارج والاستجمام لأشهر على حساب ميزانية الدولة للصحة والمستشفيات التي نكون قد ادخرناها من فعل إنقاص استهلاك الأدوية وميزانية تسيير مستشفيات الغاشي والشعب! تعرفون؟ نحن نحتاج لمستشفى واحد فقط في الجزائر يكون كبيرا ولا يتسع إلا للقليل منا! البقية، نتركهم عرضة للموت على طريقة “ليزومبي”..هذا يهاجم هذا.. وهذا ينهش هذا..ثم نصفيهم بالمبيدات الحشرية أو الأسلحة الفتاكة من حرق وقصف بالثقيل. والأمم المتحدة ستكون متحدة معنا ضد هذا التحدي.. لأننا سنكون في حرب ضد وباء ضد الإنسانية! لهذا، قلت لبعض الأطباء بعد أن انتهى الكلام المعد للصحافة والذي طمأنت فيها الشعب، قلت لهم، بأننا سنخصص للغاشي ميتة سعيدة قبل أن يدخلوا المستشفى، حيث سنعجل بهم قبل وصولهم إلى الاستعجالات! سنتركهم ينزفون، ونطالبهم بإجراءات إدارية صعبة ومملة وثقيلة حتى يموتون كرها..ومللا.. وسأما..! سنقدم لهم كل المساعدات لكي لا يقبل أي مريض أن يمرض دون أن يكون مصيره أربع تكبيرات يقرأها عليه إمام المستشفى، الذي سنخصص له راتبا معتبرا باعتبارها (بياس) “ديطاشي” من وزارة الأوقاف” ليقف على النطق بالشهادة والصلاة على الجنازة في بهو المستشفة قبل أن يدخله المريض الميت!
عندما أفقت من نومي، كانت التيزانا والشيح والقرفة في الفنجان تنظرني: لن أذهب للمستشفى حتى لا يكبروا علي أربع تكبيرات فقط بسبب …”برد”!