الرأي

ورطة الحلفاء في‮ ‬العراق والشام

حسين لقرع
  • 2891
  • 5

منذ‮ ‬8‮ ‬أوت الماضي‮ ‬إلى الآن،‮ ‬شنت الطائرات الأمريكية مئات الغارات على مواقع‮ “‬داعش‮” ‬في‮ ‬العراق،‮ ‬قبل أن تساندها دولٌ‮ ‬أخرى منذ أيام،‮ ‬ودمّرت الكثير منها كما أظهرت الصور الملتقطة جوا،‮ ‬لكن عدداً‮ ‬من المدنيين سقطوا ضحايا لهذه الغارات،‮ ‬ما‮ ‬يزيد من حرج أمريكا أمام الرأي‮ ‬العام الدولي‮.‬

‭ ‬أما مقاتلو‮ “‬داعش‮” ‬المستهدفون،‮ ‬فلم‮ ‬يتبيّن شيءٌ‮ ‬بشأن خسائرهم،‮ ‬والأرجح أنهم‮ ‬ينزلون إلى سراديب تحت الأرض حينما تبدأ طائرات التحالف‮ ‬غاراتها على مواقعهم ليلاً،‮ ‬ولكنها ما إن تغادر عند الفجر حتى‮ ‬يخرجوا ويواصلوا حصارهم وقصفهم لمدينة‮ ‬‭”‬كوباني‮” ‬الكردية السورية للسيطرة عليها وضمّها إلى‮ ‬61‮ ‬قرية اجتاحوها في‮ ‬ظرف‮ ‬يومين،‮ ‬وفي‮ ‬عزّ‮ ‬الضربات الجوية للتحالف على مواقعها،‮ ‬علماً‮ ‬أن أغلب مقاتلي‮ “‬داعش‮” ‬منتشرون بين السكان،‮ ‬استعداداً‮ ‬لحرب عصابات طويلة مع الحلفاء،‮ ‬وهو ما تدركه أمريكا جيداً‮ ‬من خلال تصريح أوباما بأن الحرب على‮ “‬داعش‮” ‬قد تستمر سنوات عديدة‮..‬

وتدرك أمريكا انطلاقاً‮ ‬من‮ “‬خبرتها‮” ‬في‮ ‬حرب العراق التي‮ ‬دامت‮ ‬8‮ ‬سنوات‮ (‬2003‮ – ‬2011‮)‬،‮ ‬مدى صعوبة حرب العصابات،‮ ‬وخسائرها الفادحة،‮ ‬وتزداد الصعوبة أكثر حينما تُسند مهمّة محاربة‮ “‬داعش‮” ‬وأخواتها،‮ ‬إلى ميليشيات البشمركة و”الحشد الشيعي‮” ‬والجيش العراقي‮ ‬المتهالِك،‮ ‬وإلى مجموعات سورية علمانية لايتجاوز عددُ‮ ‬مقاتليها‮ ‬5‮ ‬آلاف،‮ ‬وهي‮ ‬مجموعات أثبتت ضعفها في‮ ‬الحرب على النظام السوري‮ ‬مقارنة بنظيرتها الإسلامية،‮ ‬ولن‮ ‬يكون حظ هذه القوى أفضل من حظ الجيش الأمريكي‮ ‬الذي‮ ‬قاتل على الأرض في‮ ‬العراق بـ150‮ ‬ألف جندي‮ ‬ثم انسحب في‮ ‬2011‮ ‬حينما تعاظمت خسائرُه وبلغت‮ ‬4400‮ ‬جندي‮ ‬وكبّد خزينة بلده‮ ‬3‮ ‬آلاف مليار دولار،‮ ‬ما أدخلها في‮ ‬أزمة مالية خانقة‮..‬

وما دام أوباما‮ ‬يؤكد أن الضربات الجوّية وحدها لا تكفي‮ ‬لدحر‮ “‬داعش‮” ‬ويدعو حلفاءه إلى المشاركة في‮ ‬حرب برية،‮ ‬فإن الحلفاء المعنيين لن‮ ‬يكونوا فرنسا وبريطانيا ودولا‮ ‬غربية أكدت أنها ستكتفي‮ ‬بالمشاركة في‮ ‬الضربات الجوية،‮ ‬ما‮ ‬يعني‮ ‬أن العرب هم الحلفاء المقصودون؛ فهم مطالبون بإرسال جيوشهم إلى العراق وسوريا لمحاربة‮ ‬‭”‬داعش‮”‬،‮ ‬وستمارس الولايات المتحدة ضغوطاً‮ ‬على دول الخليج والأردن لإرسال قواتها،‮ ‬ثم تضغط على دول عربية أخرى لإسنادها بفرق عسكرية،‮ ‬ومنها مصر والجزائر والمغرب التي‮ ‬تملك جيوشاً‮ ‬قوية بالمنطقة،‮ ‬وسيشتدّ‮ ‬الضغط عليها أكثر إذا رفضت تركيا وإيران المشاركة في‮ ‬الحرب البرية‮.‬

الواضح أن أمريكا لا تريد خسارة أي‮ ‬جندي‮ ‬إضافي‮ ‬لها في‮ ‬العراق وتكرار تجربة حربها الخاسرة هناك،‮ ‬وتريد أن تحارب الجيوشُ‮ ‬العربية نيابة عنها،‮ ‬بينما تكتفي‮ ‬هي‮ ‬بتوفير‮ ‬غطاء جوي‮ ‬لها‮. ‬أمريكا تدرك أنها وقعت في‮ ‬ورطة كبيرة حينما تغاضت عن تنامي‮ ‬خطر‮ “‬داعش‮” ‬وأخواتها،‮ ‬برغم كل تحذيرات نظام الأسد وإيران وروسيا بأنها ستنقلب عليها وعلى باقي‮ ‬حلفائها العرب لاحقاً،‮ ‬وهي‮ ‬تعترف الآن بأنها‮ “‬أساءت تقدير قوّتها‮” ‬على الميدان،‮ ‬ولكنها لا تريد إصلاح‮ ‬غلطتها بخوض حرب برية ضدها،‮ ‬بل تريد من العرب القيام بذلك نيابة عنها،‮ ‬وستحاول إقناعهم بأن‮ “‬داعش‮” ‬تهدد عروشهم هم بالدرجة الأولى،‮ ‬ولا مناص لهم من محاربتها‮.‬

‭ ‬دول شمال إفريقيا ليست مسؤولة عن أخطاء الآخرين،‮ ‬ويجب أن تتمسّك بعقيدتها العسكرية التي‮ ‬تحظر عليها إرسال جيوشها للقتال خارج حدودها،‮ ‬ولاسيما إذا كان ذلك من أجل الآخرين أو نيابة عنهم‮. ‬أمريكا وحلفاؤها أوقعوا أنفسهم في‮ ‬ورطة وعليهم أن‮ ‬يصححوا الأمر بأنفسهم ويعملوا وحدهم على الخروج من ورطتهم بدل مطالبة جيوش مختلف الدول بالتضحية معهم أو بدلهم،‮ ‬وقديماً‮ ‬قال المثلُ‮ ‬العربي‮ “‬يداك أوكتا وفوك نفخ‮”.‬

مقالات ذات صلة