وزراء بلا حساب ولا عقاب!
لعلّ أهم سؤال تم تغييبه على خلفية التعديل الحكومي الأخير، هو هل قدّم الوزراء الـ15 المعزولين أو المطرودين أو المرحلين، حصيلتهم الأدبية والمالية، وهل صرّحوا بممتلكاتهم، وهل طرح على أحد منهم: من أين لك هذا؟، وإذا فشل هؤلاء، لماذا لم يُحاسبهم أحد وغادروا سالمين غانمين؟
الظاهر أن ترحيل الـ15 وزيرا، يعود لأسباب لها علاقة مباشرة بالفشل والعجز والإفلاس في تسيير قطاعاتهم، لكن تبعا لهذا السيناريو، ألا يتطلب الأمر إذن محاسبة الفاشلين ومعاقبة العاجزين والمتسببين في فرملة المشاريع وتعطيل البرامج، حتى لا تصبح الوزارات “وكالة من غير بوّاب”، وحتى لا يتشجع اللاحقون على صناعة الفشل واستنساخ الإهمال والتسيّب واللامبالاة؟
لقد استمع رئيس الجمهورية للوزراء، منذ عام 1999، في جلسات رمضانية قيل أنها كانت لتعذيب أصحاب المعالي نفسيا وسياسيا، واتهم بعدها بعض الوزراء بالكذب وتغليطه وتضليله، وقد سقط الآن، بعض المصنفين شعبيا ومن طرف الرئيس في خانة “الكذابين” وممارسة “الفستي”!
لم نسمع منذ انخراط الأحزاب في التشكيلات الحكومية، أنها حاسبت أو عاقبت وزراءها، أو، على الأقل، لجأت إلى تقييم حصيلتهم وأدائهم، بل تلك الأحزاب تورطت في دسّ الشمس بالغربال، وتواطأت في تفريخ التكاسل والتقاعس والتسكع على أرصفة الوزارات!
يحدث هذا، في انتظار اتضاح معالم “مصير” 15 وزيرا غادروا الحكومة، وهل سيعتزلون السياسة، أم سيتوجهون إلى الأعمال الحرّة، أم أن بعضهم سيُعينون كسفراء في أول حركة تمسّ السلك الديبلوماسي، بهدف إنقاذهم من البطالة السياسية ونجدتهم من اليأس والقنوط والعزلة والشعور بجزاء سنمار!
أهمّ مشهد يلوّن الوزارات التي دخلها وزراء جُدد، هو انتقال الرعب إلى معاقل رؤساء الدواوين والأمناء العامين والمستشارين، فهؤلاء يرتقبون حملة للأيادي البيضاء، وينتظرون بين الحين والآخر، قرارات شفهية أو مكتوبة، أو تصلهم عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني، تـُنهي مهامهم، تبعا لإنهاء مهام ”أولياء نعمتهم” الذين جاءوا بهم ذات يوم من بعيد!
نعم، هذه هي السياسة، هي فن الممكن والكذب، وهي أيضا مرآة للحكمة القائلة، لو دامت لغيرك لما وصلت إليك، لكن الأهمّ من كل هذا التشخيص، هو حتمية تقديم كلّ مغادر لحصيلته وانجازاته واخفاقاته، حتى يسمح للوافدين الجدد بضبط الأجندة وتحاشي مسببات الفشل التي دفع بسببها الشعب ومعه الدولة، فاتورة باهظة!
حتى لا يتم تقنين شعار “قهوة سي موح اشرب وروح”، من الضروري محاسبة كل وزير مستقيل أو مقال، إمّا بمكافأته على إنجازاته، وإمّا بمعاقبته على إخفاقاته، وفي ذلك، إبعاد للحڤرة والتمييز والمفاضلة، وتشجيعا للجدد على العمل والعطاء، فلن يستوي الذين يعملون مع الذين لا يعملون!
على الرأي العام، أن ينتظر حصيلة وأرقام 15 وزيرا جديد، لكن على المصالح المخولة قانونا، أن تطلب من الوزراء المغادرين، حصيلتهم وأرقامهم وقائمة ممتلكاتهم، وفي ذلك حق من حقوق الدولة على وزرائها!
من الطبيعي أن يتغوّل عشرات الوزراء المتقاعدين والمتعاقدين، فيتحوّل بعضهم إلى “المعارضة” رغم احتفاظه بالإقامة في محمية نادي الصنوبر، واحتفاظه بأجره الضخم، واحتفاظه أيضا بالسائق الشخصي وبعناصر “البودي ڤارد”، فيما يتحوّل آخرون إلى الأعمال الحرّة متنفسا الصعداء مما صار يسميه بالأعمال الحكومية الشاقة، بينما يختار صنف آخر الصمت، علّ الحسابات ولعبة التوازنات والولاءات والقضاء والقدر يُعيده في يوم الأيام إلى الحكومة!