وزراء يفتخرون بخيباتهم؟
لماذا كسر “الحراڤة” الهدنة المعلنة من طرف واحد، وعادوا لركوب البحر مقدّمين مزيدا من القرابين البشرية من نساء ومرضى وكهول وكوادر تيقنوا جميعا أن الإصلاحات المعلن عنها كانت أشبه بحقنة مُسكّنة لم ينالوا منها غير لسعة الإبرة؟ ولماذا عجز شريطنا البحري المكتنز بالمواد الأولية والنبات والسمك والمرجان عن غلق أبوابه في وجه سفن صيد منحتها الدولة كحقنة أخرى للبطالين فاستعملوها لتهريب البشر إلى الضفة الأخرى؟ ولماذا لا تعتبر الجزائر الهجرة السرية التي هي انتحار معنوي وبدني علني وتشويه لصورة البلاد الثرية بتاريخها وجغرافيتها وثوراتها وثرواتها جريمة تعاقب عليها كما تفعل كل الدول، حتى لا يبقى “الحراڤ” ضحية في نظر الجميع يسبح في البحر حيثما ومتى وكيفما شاء يتم تقديمه للعدالة ويخرج للشارع الذي سبق وأن دفعه إلى هاته المغامرة في شبه لعبة تديرها السلطة التي لا تقدم للشباب ما يجعلهم يبقون في البلاد، ولا تمانع في مغادرتهم، فهي لا تبذل أي جهد لأجل أن يعود أدمغة الجزائر الذين صُرفت لأجلهم الملايير وأرسلوا لإكمال دراستهم، فما بالك بقوافل المغامرين.
- وزارة الخارجية التي صامت عن إصدار البيانات في أهمّ الأحداث الدولية والإقليمية التي عصفت على بعد شبر من حدودنا، نشرت بيانا قيّمت فيه لقاء وزيرة الهجرة والجاليات الثقافية لمقاطعة الكيبيك في كندا مع كاتب الدولة المكلف بالجالية الوطنية في الخارج حليم عطا الله في مونتريال، عبّرت فيه عن ارتياحها لنية الحكومة الكندية لتسوية مشكلة الاعتراف بالشهادات الجزائرية، أي بصريح العبارة ابتلاع الأدمغة حتى لا يعودوا، كما ابتهج كاتب الدولة الجزائري باندماج الجالية الجزائرية المقيمة في كندا أو بصريح العبارة ذوبانها في الآخر، برغم ما تعنيه كلمة “الاندماج أو الإدماج” بالنسبة للجزائريين الذين أعلنوا ثورة التحرير ضد الاندماج قبل الاستعمار، وجاء في البيان بالحرف الواحد أن وجود النخبة الجزائرية في المؤسسات الكندية مؤهل إضافي للتنافسية وللتعاون؟
- وعندما تفرح وزارة جزائرية بما تقدمه نخبتها التي صرفت عليها الوقت والمال في بلاد في آخر الدنيا، فمعنى ذلك أن المسؤولين عندنا لا يهمّهم هؤلاء الهاربين حتى ولو استعملوا أساطيل وبوارج بدل زوارق الصيد في رحلات، إما توصلهم إلى هناك، حيث لا عودة إلى هنا، أو إلى الموت والفناء، وفي الحالتين إنقاذ السلطة من وجع الرأس الذي يسببه هؤلاء ببقائهم هنا.
- الأرقام الصادمة التي قدمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في فترة سابقة عن نزيف الأدمغة الذي كلّف البلاد أزيد عن أربعين مليار دولار حرقتها الدولة لتكوين واحد وسبعين ألف إطار، لا يبدو أنه أزعج أحدا، خاصة وأن هؤلاء تركوا البلاد منذ منتصف التسعينات وقرروا أن لا يعودوا، ورضت السلطة ببقائهم بعيدين عنها.
- الدكتور مصطفى خياطي، رئيس هيئة ترقية البحث، قال أن سبعة آلاف جرّاح جزائري يزاولون اختصاصهم في فرنسا فقط، ووزارة التعليم العالي تعترف بأن قرابة الثلاثين ألف طالب جامعي رفضوا العودة من بين خمسين ألف طالب متفوق أرسلتهم أو سافروا بإمكاناتهم الخاصة للدراسة في الخارج في السنوات الأخيرة، وشواطئ عنابة منذ عيد الأضحى المبارك، وهي تقدّم شعبا من “الحراڤة” بكل فئاته من نساء ومرضى مزمنين إلى قصّر، وفي كل الحالات الذي يذهب لا يعود، وللسابقين لاحقون وكلهم ذهبوا “ليتقاتلوا” من أجل لقمة العيش، وبقيت السلطة وحدها ها هنا قاعدة؟