الرأي

وسام العالم الجزائري

“إنّهم فتية آمنوا بربّهم”، ونرجوه ـ سبحانه وتعالى ـ أن يزيدهم هدى، ثم آمنوا بالجنّة الدنياوية الجزائر؛ وآمنوا بمقولة الإمام عبد الحميد ابن باديس بـ”أن الطّينة الجزائرية طينة علم وذكاء، إذا واتتها الظروف”، وبمقولة الشيخ مبارك الميلي بأن الجزائر “منبت رجال، ومعدن نبوغ، ومطلع بدور”،

ألقى هؤلاء الفتية نظرة على ماضي الجزائر وحاضرها لتطمئن قلوبهم لما قاله الإمام ابن باديس وتلميذه مبارك الميلي، فتأكّدوا أن المقولتين ما كانتا حديثا مفترى، وما كانتاحديث خرافة؛ فأطلقوها مقولة تسمع الأصم وتنطق الأبكم: “نعم، للجزائر علماؤها“. (Oui, l’Algérie a ses Savants  ).

لكن هؤلاء الفتية عجبوا واستغربوا لإهمال المسئولين الجزائريين هؤلاء العلماء، حيث لا يسمعون إلاّ (….) ولا يرون إلاّ (….) وكل يعمل على شاكلته“.

من أجل ذلك عزم أولئك الفتية أن يكونواكفّارةذنب أولئك المسئولين، فأسسوا وساما سموهوسام العالم الجزائري،يسلم إمّا لجماعة بحثية علمية، أو لعالم جزائري، خدم وطنه فترك آثارا علمية أو بحثية أو تربوية، أو فكرية طيبة.. في أي مجال من مجالات المعرفة، مع اعترافهم بلسان أحدهم (د. طه كوزي) بأنمؤسستهم” “هي التي تتشرف بتشريفها هذا العالم أو ذاك“..

كان أول الموسّمين بهذا الوسام هو من أجمع خيرة الجزائريين على فضله وعلمه، وهو الدكتور أبوالقاسم سعد اللّه، رحمه الله، وكان ذلك في عام 2007، ثم منح الوسام للدكتور محمد ناصر والدكتور جمال ميموني، ثم الدكتور عبد الرزاق ڤسوم، والأستاذ محمد الهادي الحسني، ثم الدكتور سعيد بويزري، ثم الدكتور محمد بولنوار زيان، ثم الدكتور كمال يوسف تومي، والشيخ عبد الرحمن بعموري، ثم الدكتور أحمد جبار وثلة من العملاء يمثلونفريق البحث العلمي لجمعية التراث“..

وكان يوم السبت الماضي (21 / 11 / 2015) موعدا لتكريم الفائز بوسام العالم الجزائري لهذا العام – 2015، وهو الدكتور بلقاسم حبة .. “صاحب الألف اختراع، كما علمنا من سيرته الذاتية والعلمية التي أعدت بهذه المناسبة، ووزعت على من حضر في الخيمة الكبيرة التي نصبت في ساحة بفندق هيلتون.

إن الدكتور بلقاسم حبة مقيم حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عمل فترة في اليابان، واهتماماته موزعة بين التدريس والبحث العلمي، وقد استفادت عدة شركات عالمية من اختراعاته، وهو مسجل في قائمة أحسن مائة مخترع في العالم منذ 2008 إلى الآن، وهيقائمة تخضع للتحيين كل أسبوع، وعلى مدار سنة كاملة، وتضم شركات دولية رائدة ومراكز بحث مرموقة، مما يعني أن الحفاظ على مكانة فيها ليس بالأمر الهيّن، ويستلزم العمل الشاق  والدؤوب على مدار الساعة، وهو يرجو أن تتاح له فرصة لخدمة وطنه وأبناء وطنه.. إن مكّنه.. من ذلك..

من أجمل ما قاله هذا العالم أن الفضل في كثير مما هو فيه يعود إلى أم أولاده الجزائرية، لأنها سهلت له ظروف الحياة، إشرافها على تربية الأبناء وفق الأصول الإسلامية والعادات والتقاليد الجزائرية الأصيلة، فكان مطمئنا على الأسرة..

إذا كانت التخصصات العلمية والاهتمامات الفكرية قد فرقت بين هؤلاء العلماء الموسّمين، إذ منهم المؤرخ، ومنهم الأديب، ومنهم الفلكي، والفيلسوف، وعالم الرياضيات، وعالم القانون، والمهندس، والداعية؛ فإن القاسم المشترك بينهم هو تمسكهم بدينهم الإسلامي الحنيف، وتخلقهم بالأخلاق الإسلامية، فهم يؤمنون بأن تكون الأخلاق الحسنة هي تاجهم ويجتهدون لذلك، مصداقا لقول الشاعر:

لا تحسبن العلم ينفع وحده

ما لم يتوّج ربه بخلاق

لقد منح لكل من الموسمين السابقين بضع دقائق ليقول كلمة بالمناسبة، وكلّ أجاد وأفاد، وقد ركزت في كلمتي على فكرتين بعد شكر المكرّمين، وتهنئة المكرّم.

فأما أولاهما فهي أن علماءنا وباحثينا في أوروبا وأمريكا يسفهون كلام العنصريين من الغربيين بأن غيرهم من الشعوب لم تخلق للعلم، ومن أشهر ما وقع في هذا الشأن ذلك الرّد الذي رد به الإمام محمد عبده على الفيلسوف الفرنسي العنصري إرنست رينان، وردّ الإمام ابن باديس على العنصري الفرنسي الآخر روبير آشيل.. وقد خلد الشاعر محمد العيد آل خليفة ذلك في قصيدة رائعة، وفيها إشادته بالإمام ابن باديس حيث يقول:

عبد الحميد رعاك الله من بطل

ماضي الشكيمة لا يلويك تهويل

دمغت أقوال آشيل كما دمغت

أبطالأبرهةالطير الأبابيل

وأما ثانية الفكرتين فهي الاقتراح على القائمين علىمؤسسة وسام العالم الجزائريأن يبحثوا عن عالمة جزائرية لتوسيمها في العام القادم إن شاء الله، ليسفهوا بذلك الإسلام.. والشرط ـ  طبعا ـ في هذه الموسّمة ألا تكون كمن قال فيها شاعر:

لحدّ الركبتين تشمّرينا

بربّك أيّ نهر تعبرينا..

 

شكرا، وألف شكر، لمؤسسة وسام العالم الجزائري، وأخص من القائمين عليها الدكتورين محمّد بابا عمي، وطه كوزي.. وهنيئا للمكرم في هذه السنة الدكتور بلقاسم حبة، الذي ذكرنا اسمه بالعالم الجليل الشيخ عبد المجيد حبة، وشآبيب من رحمة الله ـ الرحمن الرحيم ـ تنزل على روح أول الموسّمين الدكتور أبي القاسم سعد الله.

مقالات ذات صلة