الرأي

… وشيطان في غرداية

أكّد الله ـ عز وجل ـ في كتابه الكريم الذي لم يأته، و لا يأتيه، و لن يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، أكد للإنسان أن عدوه الأول و الآخر و الظاهر و الباطن هو الشيطان الرجيم، و أن هذه العداوة ستبقى ما بقيت شمس و قمر، و أنثى و ذكر، و نبات و مطر..

 و لئلا يكون للناس حجة على الله ـ عز وجل ـ و يلقوا معاذيرهم فقد حذرهم ـ سبحانه و تعالى ـ عن طريق المصطفين من عباده، و هم أنبياؤه و رسله ؛ حذرهم من هذا العدو اللئيم، الذي لا يألوهم خبالا، فيوقع بينهم العداوة و البغضاء، و يصدهم عن سواء السبيل، و ينزغ بينهم..

كما أخبر الله ـ عز وجل ـ الناس أن هذا الشيطان يراهم، و لإن لم يروا رسمه، فإنهم  يرون أثره فيما يأمر به من مفاسد، و فيمن يسخرهم للشر من بشر ذكرانا و إناثا.

إن الشيطان هو الأبرّ بقسمه من أكثر البشر الذين جعلوا الله ـ سبحانه و تعالى ـ و يجعلونه عرضة لأيمانهم، فيحنثون في اليوم سبعين مرة ؛ أما هذا اللعين فلم يحنث منذ أقسم كما جاء في القرآن الكريم، مخاطبا الله ـ سبحانه و تعالى: “فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين”.

من أساليب الشيطان في الفساد و نشر الخراب أسلوب الوسوسة في صدور الناس، و أسلوب الوحي إلى أوليائه القذرين ليثيروا الفتن، و يوقعوا العداوة و البغضاء.

إن الله ـ عز وجل ـ قال للشيطان عندما تعهد هذا و أقسم أن يغوي الناس بأنه لا سلطان له على عباد الله الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان، و استنارت عقولهم بالحكمة، و انشرحت صدورهم للإسلام، و لذلك فإن الشيطان لا يسخر للشر و الفساد و المنكر إلا أولئك الأوباش الذين خلت قلوبهم من الإيمان، و أظلمت عقولهم، و خربت ذممهم، و سفلت هممهم، و هوَوْا في مكان سحيق من التفاهة و السفاهة.. فيسارعون في إرضائه بنشوة كبيرة بتطبيق ما يوحي به إليهم ، و ما يأمرهم بفعله من شرور و فساد..

لقد لاحظنا ـ منذ بضع سنوات ـ أن الشيطان و أولياءه و جنوده قد أثاروا فتنا كقطع الليل المظلم في منطقة ميزاب، فقد أشعلوها في بريان، ثم أشعلوها في القرارة، و هاهم يثلثون الفتنة في غرداية، و كل فتنة أكبر من أختها.

لقد شممنا من بعض التصريحات في المنطقة رائحة شياطين من الشمال.. أوْحُوا بها إلى أوليائهم في غرداية..

لقد قال الشيخ مبارك الميلي “إن العقل الجزائري في خطر”، و لكن يبدو أن هؤلاء الذين أشعلوا هذه الفتنة الملعون أصحابها ليست لهم عقول، و لهذا تصرفوا كالحيوانات العجماء، إذ لو كانت لهم عقول لما انتهكوا الأعراض، و لما أزهقوا الأرواح، و لما حطموا و أحرقوا الممتلكات.. و زرعوا في النفوس الحقد الأسود و البغضاء العمياء بين الإخوة.

و كم أحزنني، و عصر قلبي أنه في الوقت الذي كان في غرداية أناسٌ يقتلون، و أطفال يروعون، و نساء  تهتك أستارهن ؛ كان “جزائريون” في الفنادق الفخمة يقتلون الفضيلة، و يُحْيُونَ الرذيلة، و لا يحسون بما يكابد مواطنوهم في غرداية. فهل لهؤلاء قلوب و مشاعر؟

إن أولياء الأمور الذين يلهثون وراء التفاهات من كراسي، و مناصب، سيضاعف لهم العذاب، بما أضاعوا من واجبات، و ركنوا إلى الشهوات.. و تركوا الأمور السيئة تتراكم، و هم يزعمون أن لهم “معهدا للدراسات الاستراتيجية”.

لقد أضحك علينا السفهاءُ الأعداءَ، و أشمتوهم بنا .. و راحوا يتكالبون على “الجيف”.. فلعنة الله على كلّ من صير جنتهُ في الأرض ـ الجزائر ـ  جحيما..

 و ليعد كلُّ واحد أسهم في هذه الفتن العمياء بقول أو عمل، وتحت أيّ مبرر ـ عرقي أو مذهبي أو سياسي ـ جوابه عندما يأتي الله ـ عز وجلّ ـ فردا، حيث لن يجد من أمرهُ أو حرضهُ ليجادل عنه.

و ليعذرني القراء إن رددت على مسامعهم هذين البيتين اللذين يلخصان حالنا:

وطن أردناه على حب العلى 

  فأبى سوى أن يستكين إلى الشقا

شعب كما شاء التخاذل و الهوى

 

متفرق، و يكاد أن يتمزقـــــــــا

مقالات ذات صلة