“وعلاش يا وليدي”؟
يا أستاذ جمال، أردت أن أعبر لك عن غيض من فيض، والحال أنني أريد أن أعبّر عن فيض من غيض، بعدما كدت “أنفجر”، وربما “أنتحر”، أو على الأقل “أنكسر” حتى لا “أندثر”، وهذا ما حدث فعلا، لهذا السبب، فصدّق أو لا تصدّق: عاد ابني الصغير، الذي يدرس في السنة الثانية ابتدائي، مكسورا باكيا مدهوشا، مقسما بأغلظ الإيمان على عدم العودة إلى القسم!
تنهّدت، جلست أرضا، بعدما كاد “يُغمى” عليّ، سألته برفق: “وعلاش يا وليدي”؟.. فردّ بالمختصر المفيد: “نكره المعلـّم انتاعنا” (..).. قلت: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وسألت نفسي بنفسي في صمت: إذا كره معلمه بعد شهر من الدخول المدرسي، هل سيحبه يا ترى عند انتهاء الموسم وانصرام التلاميذ والأساتذة إلى العطلة الصيفية؟
استغفرت ربّ العالمين، تمالكت نفسي، جمعت قواي، رسمت ابتسامة مفبركة على شفتيّ، وسألت التلميذ مرّة أخرى: لماذا لا تريد العودة إلى المدرسة؟.. كان الصغير أذكى منّي وأنا الكبير، فردّ بتراخ وربما استهزاء البراءة: أبدا، لم أكره المدرسة، لقد كرهت المعلم (..)..صدمني، أدهشني، أقلقني ابني، فقلت مجدّدا: “وعلاش يا وليدي”؟.. قال: “راه يضرب فينا”!
..هذه هي “مأساتي” يا سي جمال، فقد أخرسني ابني، ولم أجد ما أقوله، سوى: الله يجيب الخير، بعدما حاولت مراوغته بالدفاع عنه تارة، والدفاع عن معلمه مرات أخرى، وبكيت سرّا في مكانه، قبل أن أقرّر زيارة هذا المعلم الذي كاد أن يكون رسولا، وللأسف لم أزره بعد، فقد ربطتني “الشياطين”، ولا أعرف ما أفعله، إلى حدّ الآن.. خائف من الاصطدام بالمعلم، فيضيع ابني، وخائف من عدم “الشكوى” فيستمرّ “الضرب” و”الرعب” فيضيع ابني كذلك، فماذا عساني أفعل.. أرشدني أخي العزيز؟
وليّ تلميذ مرعوب
..أخشى أن تربطني وتربطنا جميعا “الشياطين”، فتكون نصيحتي بلا جدوى، ومع ذلك، تجدني داعما لك، لأن مشكلتك مشكلة جماعية وليست فردية، لكثير من الأولياء، وأصدقك القول، أن بعض المعلمين، للأسف، تحوّلوا إلى “خطر” على التلاميذ والمظلومة التربوية برمّتها، لكن مع ذلك، الحمد لله أن الأمر يبقى معزولا، والشاذ طبعا يُحفظ ولا يُقاس عليه!
لا ينبغي علينا أن نصدق التلميذ، ونكذب المعلم، لكن المعلم الذي يصبح متهما -ولا أقول متورطا- بترويع التلاميذ و”تكريههم” في الدراسة والتدريس، عليه أن يراجع حساباته، قبل أن تقع الفأس على الرأس.. عندما يحبّ التلميذ معلمه، سينجح لا محالة في دراسته، لكن المعلم الذي يقول للأولياء: “قرّوا ولادكم في الدار”، وينشغل هو بضربهم وتخويفهم في القسم، عليه أن يعيد هو “قرايتو”، ونسأل الله العافية والهداية!