وفاء مكي˸ انتظروني في “الأسير”.. ملحمة سينمائية جزائرية مصرية
بين أضواء الشهرة الصاخبة وظلال الغياب الطويل، تقف فنانة لم تكن يوماً مجرد وجه عابر على الشاشة. هي “مهجة”، التي سكنت بيوتنا في ليالي “ذئاب الجبل”، وهي الممثلة التي صهرت ملامحها المصرية الأصيلة في أدوار لا تُنسى. اليوم، تعود وفاء مكي، ليس فقط لتستعيد مكانتها، بل لتثبت أن الموهبة الحقيقية كالعنقاء؛ تنفض عنها غبار السنين، وتولد من جديد، بإصرار أكبر، ونضج أعمق.
عن جديدها السينمائي، واختياراتها المستقبلية، ورؤيتها للساحة الفنية اليوم، كان معها هذا اللقاء، الخاص والحصري لمجلة الشروق العربي.
الشروق: نبدأ من السؤال الذي يطرحه الجمهور دائماً.. أين أنتِ الآن من الخارطة الدرامية؟
_أنا موجودة، ولم أبتعد برغبتي. الفنان الحقيقي لا يعتزل، إلا حين يتوقف قلبه عن النبض. أنا أتابع كل ما يعرض، وأقرأ بعض النصوص، لكنني أبحث عن “العودة اللائقة”. لا أريد أن أظهر لمجرد التواجد، بل أريد دوراً يعيد ثقة الجمهور الذي أحبني في “ذئاب الجبل” و”الراية البيضاء”.
الشروق: تشاركين حالياً في بطولة فيلم “الأسير”، وهو عمل ضخم يجمع بين السينما المصرية والجزائرية، من إنتاج وبطولة الفنان الجزائري، عبد النور حسن، وبمشاركة نجمات لهن ثقلهن، مثل الفنانة هند عاكف والفنانة لوسي.. أين تكمن خصوصية هذا العمل لوفاء مكي؟ وكيف ترين هذا التعاون (المصري-الجزائري)، في إطار محاولاتك لاستعادة بريقك السينمائي؟“
“فيلم “الأسير”، ليس مجرد تجربة سينمائية عابرة بالنسبة إلي، بل هو محطة “رد اعتبار” فني، أعتز بها كثيراً. الخصوصية هنا تكمن في كسر الحواجز الجغرافية؛ فأن نلتقي تحت مظلة إنتاج جزائري-مصري، بقيادة فنان ومُنتج طموح، مثل عبد النور حسن، فهذا يعني أننا نقدم عملاً يحمل صبغة عربية عالمية. عبد النور فنان يدرك قيمة الممثل، والعمل معه ومع الفنانة هند عاكف والفنانة القديرة لوسي وعايدة رياض، يخلق حالة من المباراة التمثيلية التي اشتقنا إليها.
الشروق: وماذا عن دورك؟
_ أقدم شخصية مركبة جدا، فيها تحولات إنسانية عميقة، تتماشى مع اسم الفيلم ومعاناته. هذا الفيلم هو ردي العملي على كل من تساءل عن قدرتي على العودة؛ فالسينما هي “ذاكرة التاريخ”، والعودة من خلال إنتاج مشترك مع السينما الجزائرية العريقة، تعطي الدور ثقلاً دولياً. نحن في هذا العمل، لا نقدم مجرد حكاية، بل نقدم مزيجاً من الثقافات والمشاعر، التي توحد المشاهد العربي، من المحيط إلى الخليج. وأنا أراهن على أن “الأسير” سيكون بوابة عبور جديدة لوفاء مكي نحو شاشة السينما، التي غبت عنها طويلاً، لكنها لم تغب عن وجداني لحظة واحدة.
الفنان لا ينسى أدواته مهما طال الزمن.. وأنتظر نصاً بقوة (ذئاب الجبل)
الشروق: بعد غياب طويل، كيف ترين المشهد الفني اليوم، مقارنة بفترة التسعينيات التي شهدت توهجك؟
_ الحقيقة، المشهد تغير تماماً، من حيث التكنولوجيا والسرعة، لكن الموهبة الحقيقية تظل هي العملة الصعبة.
في التسعينيات، كان لدينا وقت للتحضير والتعايش مع الشخصية. وهذا، ما أفتقده أحياناً الآن. لكنني، متحمسة جدا، للتأقلم مع هذا الجيل الجديد.
الشروق: شخصية “مهجة” في مسلسل “ذئاب الجبل”، لا تزال تعيش في وجدان الجمهور. هل يزعجك أن يحصرك الناس في هذا الدور؟
_على العكس، هذا فخر لي! أن يقدم الفنان دوراً يعيش لأكثر من 30 عاماً، ويظل الناس ينادونه باسم الشخصية في الشارع.. فهذا دليل نجاح ساحق. “مهجة” كانت نقطة تحول، وأتمنى أن أجد نصاً بنفس هذه القوة في عودتي القادمة.
الشروق: بالعودة إلى عام 2015، قدمتِ دوراً لافتاً في مسلسل “كابوس”، مع الفنانة غادة عبد الرازق، كيف تصفين تلك التجربة بعد سنوات؟
_مسلسل “كابوس”، كان محطة هامة جدا بالنسبة إلي، لأنه جاء في توقيت كنت أحتاج فيه إلى الوقوف مجدداً أمام الكاميرا، ومع مخرجة متمكنة، ونجمة بحجم غادة عبد الرازق. الدور كان يتطلب انفعالات نفسية معينة، وأعتبره التجربة التي كسرت حاجز الغياب الطويل، وأثبتت أن الممثل الحقيقي لا ينسى أدواته مهما طال الزمن.
الشروق: ومن “كابوس” إلى مشاركتك في مسلسل “حق عرب” العام الماضي.. ما الذي تغير في وفاء مكي بين العملين؟
_التغير يكمن في “النضج والهدوء”. في “حق عرب”، كنت أكثر استيعاباً لتطور الدراما الحالية، وإيقاعها السريع. العمل مع أحمد العوضي والمخرج إسماعيل فاروق كان ممتعاً، وشعرت بأن الجمهور استقبلني بروح جديدة. الفارق، أنني في 2015 كنت أحاول إثبات وجودي، أما في 2024، فكنت أستمتع بالتمثيل، وأركز على تفاصيل الشخصية الإنسانية بعمق أكبر.
الفن «كرامة» وليس مجرد وظيفة.. ومحبة الجمهور هي التي جعلتني أستمر رغم الظروف
الشروق: هل ترين أن نوعية الأدوار التي عُرضت عليكِ في “كابوس” تختلف عن طبيعة الأدوار الحالية؟
_ بالتأكيد، الدراما نفسها تغيرت. في “كابوس” كانت الأجواء تميل إلى الغموض والإثارة، أما “حق عرب” فكان عملاً شعبياً قريباً من الشارع المصري، الذي أحبه. ما يهمني في المرحلتين، هو “الصدق”؛ سواء كنت أقدم دوراً صغيراً أم كبيراً، المهم أن يترك أثراً لدى المشاهد، ويجعلني أشعر بأنني أضفت شيئاً إلى تاريخي.
الشروق: تحدثتِ مؤخراً بنبرة عتاب لصناع الدراما حول تجاهل جيلكم، هل تشعرين بأن الوسط الفني “غدار”؟
_ تتنهد.. الوسط الفني تغيرت حساباته. في الماضي، كان المخرج يبحث عن الممثل المناسب للدور، اليوم أصبحت الحسابات تعتمد على “الترند” وعدد المتابعين على السوشيال ميديا. نعم، شعرت بالعتاب، لأن هناك جيلاً كاملاً من الأساتذة والزملاء لديهم طاقة إبداعية هائلة، يجلسون في بيوتهم. الفن قوة ناعمة، ولا يصح أن نهدر خبرات سنوات، لمجرد الركض وراء الوجوه الجديدة فقط.
الشروق: بمناسبة ذكر “الترند”، كيف تتعامل وفاء مكي مع عالم السوشيال ميديا، الذي لم يكن موجوداً وقت شهرتك الأولى؟
_ السوشيال ميديا سلاح ذو حدين. هي قربتني من الجمهور الذي يسأل عني دائماً، لكنها أيضاً أصبحت مصدراً للشائعات المزعجة. أنا لست “بلوجر”، أنا فنانة، ومكاني الطبيعي هو بلاتوه التصوير، وليس “اللايف” على التيك توك، رغم أنني أضطر أحياناً إلى التواصل مع الناس، لأوضح الحقائق.
الفن «قوة ناعمة».. وأرفض أن تتحكم حسابات «السوشيال ميديا» في اختيار الممثلين
الشروق: هل تتابعين أعمال المنصات الرقمية الحالية؟ وهل ترين نفسك فيها؟
_طبعاً، المنصات أحدثت طفرة، وأعطت فرصة لتقديم مسلسلات قصيرة (7 أو 10 حلقات) ذات الإيقاع السريع والمركز. أرى نفسي جدا في هذه النوعية من الأعمال، لأنها تعتمد على “الكيف”، لا “الكم”. أتمنى تقديم دور “أم” بمفهوم عصري، أو امرأة تواجه تحديات اجتماعية صعبة. فالمرأة في سن النضج لديها قصص كثيرة لم تُحك بعد.
الشروق: ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى جمهورك الذي ينتظر عودتك؟
_ أقول لهم: “محبتكم هي التي جعلتني أستمر”. مررت بظروف صعبة جداً، لكنني قوية بالله وبدعمكم. أنا قادمة، وسأختار بعناية ما يحترم عقولكم وتاريخي البسيط. الفن بالنسبة إلي كرامة، ولن أتنازل عن تقديم عمل يضيف لرصيدي.
الشروق: كلمة أخيرة لزملائك في الوسط الفني؟
_أتمنى أن نحب بعضنا أكثر، وأن يعود زمن “البطولة الجماعية”، الذي كان يسع الجميع. الفن يسع الكل، والجمهور مشتاق إلى رؤية الوجوه التي تربى عليها، بجانب الوجوه الجديدة الشابة.