وقت يظنه الأولياء ضائعا بينما يعتبره الأخصائيون أهم استثمار في شخصية الأبناء
يجد كثير من الأولياء أنفسهم يؤجلون اللعب مع أطفالهم إلى “وقت الفراغ”، بينما ما يشغلهم حقا هو ضغط العمل، التواصل عبر الهاتف والإنترنت، وتراكم المسؤوليات اليومية، ما يجعل تلك الفرصة لا تأتي غالبا، وتمر أيام طويلة يكتفي فيها الأب والأم برؤية الطفل منغمسا في كومة الألعاب، منشغلا عن إزعاجهما، وهما لا يدركان أن مجرد دقائق يقضيانها في مشاركته اللعب، قد يكون بالنسبة إلى الطفل درساً في الثقة، والتواصل، والإبداع، وضبط المشاعر، وبناء العلاقة.
لا يمثل اللعب مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو تفريغ الطاقة في حياة الطفل، وإنما أحد أهم الطرق التي يتعلم بها كيف يفكر ويتواصل ويتفاوض ويحل المشكلات، وكيف يتعامل مع مشاعره ويكتشف العالم من حوله، فحين يجلس الأب على الأرض ليلعب بالسيارات مع طفله، أو تشارك الأم ابنتها لعبة التمثيل والدمى، لا يسمع الابن فقط: “أنا ألعب معك”، بل يستقبل رسالة أعمق: “أنت مهم بالنسبة لي، وأنا أريد أن أكون معك”… وهذه الرسالة المتكررة تساعد على بناء شعور بالأمان والانتماء. بهذا الخصوص، توضح الأستاذة عقيلة دبوب، أخصائية نفسية خبيرة علاقات، أهمية ما يسمى بتفاعلات: “الأخذ والعطاء، أي التبادل المتجاوب بين الابن ووالديه، عندما يبادر الطفل بإشارة أو كلمة أو حركة، فيستجيب لها الأب أو الأم بالنظر أو الكلام أو الابتسامة أو المشاركة،تعد هذه التفاعلات من اللبنات الأساسية لنمو الدماغ والمهارات الاجتماعية واللغوية، والمعرفية ومهارات التنظيم الذاتي، كما يساعد على بناء العلاقات الآمنة والمستقرة بين الطفل ومقدمي الرعاية”.
الحضور الإنساني أهم من قيمة اللعبة
الدراسات التي يستحدثها باحثون ميدانيا عبر العالم في طب الأطفال تشير إلى أن الألعاب البسيطة، مثل المكعبات والكرات والأوراق والألوان والصناديق والأدوات المنزلية الآمنة، يمكن أن توفر فرصا واسعة للإبداع والاستكشاف، وأن وجود الأم أو الوالد وانتباهه أكثر أهمية من تعقيد اللعبة أو سعرها، فالعلبة الكرتونية قد تتحول إلى منزل، والملاعق إلى أدوات موسيقية، والوسائد إلى قلعة، وقطعة قماش إلى عباءة، والأرض إلى طريق طويل للسيارات، وهنا تحديدا يبدأ الإبداع، عندما لا تعطى الطفل لعبة مبهرة ومعقدة، يبدأ عقله في الاختراع ويترك له مساحة ليقرر ماذا يفعل؟ كيف سيبني؟ ماذا سيسمي الأشياء؟ وما القصة التي سيخترعها؟
في السياق ذاته، تؤكد الأخصائية النفسية دبوب.ع أن اللعب يرتبط بتطور الوظائف التنفيذية، بما فيها المرونة المعرفية، والتحكم في الاندفاع، والذاكرة العاملة، والانتباه، وحل المشكلات، كما يرتبط بتنمية الإبداع واللغة والمهارات الاجتماعية.
رصيد عاطفي يكونه الأولياء من خسارة الوقت
يتفق الخبراء في علم النفس على أن “اللعب يعد الوسيلة الأهم لفهم عالم الطفل الداخلي، فالوالد عندما يشارك الطفل اللعب، يصبح أكثر قدرة على ملاحظة اهتماماته ومخاوفه وطريقة تفكيره وتفاعله مع الآخرين”، أما الطفل الذي يسمح له بالاختيار في أثناء اللعب يتدرب على اتخاذ القرار فاللعب غير الموجه يساعد الأطفال على اتخاذ القرارات، واكتشاف اهتماماتهم، والعمل مع الآخرين، والتفاوض وحل النزاعات والدفاع عن احتياجاتهم، كما يرتبط بتطور الكفاءة والثقة والمرونة في مواجهة التحديات. لذا، فإن دور الأب والأم ليس أن يتحولا إلى مخرجين للعبة، بل أن يكونا رفيقين فيها، يتدخلان عندما يحتاج الطفل إلى المساعدة، ويتركان له مساحة للاكتشاف، وهنا تشير الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن اللعب لا يحتاج دائما إلى وقت منفصل ومخطط له، فالأعمال اليومية المشتركة يمكن أن تصبح فرصا للعب والتفاعل عندما يشارك الطفل فيها بصورة نشطة.
قد يبدو أن الأب الذي يقضي نصف ساعة في اللعب قد خسر نصف ساعة من العمل أو الراحة، لكن على المدى الطويل، يكون قد ربح علاقة أقوى مع ابنه، فالطفل الذي يشعر بأن والده يستمع إليه ويلعب معه قد يكون أكثر استعدادا للحديث معه عندما يكبر، والأم التي تشارك ابنتها عالمها الخيالي تبني بذلك جسرا للتواصل، يكون هذا رصيدا عاطفيا يعود إليه الطفل عندما يواجه الخوف أو الفشل أو الحيرة.