.. ولا تأتوا السفهاء إعلامكم
استكمالا للموضوع الذي حظي بكثير من التعليق والتعقيب فلقد أشرت في المقال السابق “إذا غاب التفكير حضر التكفير” إلى أن الشيخ صالح الخرشي قد تعمد في دراسته الصادرة بالرياض سنة 2010 م/1431 هـ بعنوان “أكذوبة مذكرات الجاسوس البريطاني همفر وبيان حقيقة من كذبها لتشويه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله- والدولة السعودية الأولى”، التقليل من قيمة المذكرات على أساس أنها غير محققة ومراجعة من الأكاديميين ولا سبيل للوصول إليها إلا عبر الانترنيت، ومن قوموا على نشرها وتوزيعها هم أعداء التوحيد من أنصار الشرك والأهواء والبدع والخرافات الذي يكرهون العبودية الخالصة لله التي تجرهم من امتيازاتهم المادية والجاه والسلطان والتسلط على الضعفاء، أما أخطر عدو للشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته في نظر الشيخ الخرشي فهم الرواض من الشيعة، فهم بالنسبة إليه العدو رقم واحد سياسيا وعقائديا متهما إياهم من أنهم هم الذين اخترعوا فكرة مذكرات همفر ونشرها بين الناس لينفروا من الدعوة الوهابية التي جاءت حسب زعمه لهدم القبور والمزارات والقباب التي كانت تستخدم من الروافض والصوفية من أجل استغلال الناس وابتزازهم وأخذ أموالهم وهذا ما جعلهم ويجعلهم يقفون بالمرصاد لدعوة محمد بن عبد الوهاب الذي جاء لينفس ذلك كله.
ولكن ونحن بكل موضوعية نعرض في مقالنا هذا الرأي الآخر دون عقدة أو انتصار للنفس، هل من المقبول ومن الحكمة في شيء أن يذم الغلو في حب علي كرم الله وجهه أو في حب أحد العارفين بالله من ذوي التقوى الصلاح مثل عبد القادر البغدادي، ويستحسن في حب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن باز وغيرهما كثير؟ وهل من حق الشيخ الخرشي ومن هو على مذهبه الطعن والتشكيك المخل في كتاب المراجعات للشيخ شرف الدين الموسوي ومن أن نصوصه مليئة بالكذب والافتراء على أساس أنه لم تكن هناك أي مراسلات بين الموسوي الرافضي وشيخ الأزهر سليم البشكري ومن أن اختلاق هذه الرواية الموضوعة حسب زعمه ما كانت إلا لإضفاء المصداقية على “المراجعات” لتكون مرجعا لدى الشيعة والسنة معا، فهل المراجعات هي كذلك من مواليد الانترنيت مثلها مثل مذكرات همفر، أم أنه التعصب للرأي وللمذهب الذي كثيرا ما يكون مرتبطا بالمصلحة التي هي المرشد والمعلم الذي يجب أن يطاع؟!
إذا كانت كل خطوة إيجابية من إخوتنا الشيعة تحمل محملا سلبيا وتقرأ من زاوية مظلمة كما هو الحال مع المراجعات وصاحبها، فهل نشكك في مبادرة الإمام القمي الذي رحل لمصر سنة 1937 من أجل تبليغ دعوته النبيلة حول التقريب بين مذهب السنة والشيعة حيث التقى من أجل هذه الرسالة الربانية والحضارية بشيخ الأزهر الإمام مصطفى المراغي الذي تقبل، من جهته الدعوة المباركة بكل صدق وإيمان لأن صاحبها كان صادق النية كذلك.
وتتحدث العديد من المصادر الواعية بعين الرضا والإعجاب بعدما تم ترجمة هذه الرغبة على أرض الواقع وهذا عندما باشر الشيخ المراغي رحمه الله في تدريسه للتفسير بالأزهر بالرجوع والاعتماد على العديد من مؤلفات ومراجع الشيعة الإمامية مثل كتاب مجمع البيان وقد كان لهذا الحدث الأثر البالغ في العالم الإسلامي، وما هي إلا سنوات قليلة حتى تحرك العلماء والمفكرون وبعض النخب الثقافية في هذا الاتجاه العقلاني والحكيم وأنشئت نتيجة ذلك جماعة للتقريب التي وللأسف خفت صوتها في السنوات الأخيرة بعدما علا صوت التكفيريين والمتطرفين من كل جانب ولدوافع وحسابات سياسية ضيقة وهذا بالتأكيد ليس من مصلحة المسلمين مهما اختلفت مدارسهم مادام التعصب هو مذهبهم ودينهم الجديد الذي سوف يدمرهم.
يقول الدكتور أحمد بن نعمان في كتابه “التعصب…لماذا وكيف؟” في تفسيره للتعصب ما يلي “يرى العلماء في تفسيرهم للتعصب أنه آلية نفسية تؤدي وظيفة خاصة تتخلص التنفيس عما يختلج في النفس من توتر وكراهية وعدوان مكبوت وذلك عن طريق عملية الإزاحة والإبدال، دفاعا عن الذات وعمن تحبه”.
وإذا أسقطنا هذا التعريف على بعض الوجوه التي أصبحت تتردد باستمرار في الظهور على وسائل الإعلام وبالخصوص المرئية منها مثل زعيم حزب الصحوة غير المعتمد والحمد لله، نجد الأمر ينطبق تماما على هذه الشخصية التي لم تتوقف في إصدار فرمان التكفير وفي كل اتجاه والخطورة في ذلك هو الفرصة التي تعطى لهذه الشخصية المريضة والنكرة التي لا رقم لها في قائمة العقلاء، قلت فرصة الترويج لبضاعته العفنة بالصوت والصورة، وبالتالي إذا قال الله “ولا تأتوا السفهاء أموالكم” فإنه أضحى من الضروري تطبيق قاعدة “ولا تأتوا السفهاء إعلامكم” لأن الإعلام كثيرا ما يجعل السفهاء علماء في أذهان العامة والأميين ثقافيا ودينيا، تماما كما جعل من بائعات الهوى اللائي يظهرن في الكليبات الغنائية والأفلام الإباحية نساء شريفات عفيفات وصاحبات رسالة فنية راقية الهدف منها تنوير الرأي العام بالقضايا المسكوت عنها في المجتمع الذي جعل منها طابو غير قابل للنقاش، وهذه لعمري محاولة لاختراق العقل السليم وتخريبه لغاية لا ترضي سوى أصحاب النفوس الأمارة بالسوء والتي تدعي امتلاك البصر والبصيرة، وغيرها غارق في الظلمات وفق ميزانه المختل والمعتل.
والهدف من وراء ذلك كله معروف ومعلوم وهو تحقيق أكبر عدد من المشاهدين وأكبر رقم من مداخيل الأموال والشهرة.
جميل أن يصرح المفتش العام بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف هذا الأسبوع حين اجتماعه بالمفتشين والمعتمدين ليوزع عليهم دليل الناخب بدل مدونة السلوك الديني التي نسيت، بالقول إن المجتمع الجزائري هو على مذهب المالكية ولا علاقة له ولا يعنيه الصراع السلفي الشيعي، ولكن هل يقبل مثل هذا الكلام في عصر العولمة وثورة الاتصالات التي ساهمت في تدفق المعلومة والمعرفة بشكل استحالت على استيعابه العقول؟ وماذا فعلنا لمقاومة من يريد تصدير هذا الصراع لبلادنا وبأياد جزائرية لها القابلية لإبرام الصفقات على حساب الوطن؟
والسؤال الكبير الآخر هو إذا كان من ضمن مهام المفتشية المركزية بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف هي مراقبة برامج التكوين وتحسين المستوى وتجديد المعلومات وتقييمها، بما يحقق ترقية الخطاب المسجدي، هل تحسن مستوى تكوين الأئمة بالمعاهد الدينية وإذا كان الأمر كذلك هل يمكن القول بأن الخطاب المسجدي هو في مستوى تحديات الماضي والحاضر والمستقبل المعقدة؟، علما بأن المواطن راح يبحث عن خطاب آخر يرضي عقله وقلبه، وبذلك يمكن القول إنه سقط في شراك الاستلاب الديني والمذهبي الذي يتقن التواصل مع الآخر أحسن مما تتقنه مؤسساتنا الرسمية بما فيها الإعلامية التي لم تبلغ بعد مرحلة الرشد نتيجة البيروقراطية التي أفقدتها حاسة الاستشراف، ومادام الأمر كذلك لا أقول “لا تأتوا السفهاء إعلامكم” وإنما كذلك “ولا تأتوا السفهاء منابركم”، وإلا لا معنى لمفردات خدمة المرجعية الدينية الوطنية التي خانها أصحابها قبل أن يتآمر عليها خصومها وأعداؤها.. والفاهم يفهم.
(*) كاتب وبرلماني سابق