ولكم في التاريخ عبرة
يتعرض الجسم الحي دائما إلى تهديد المرض، ولا يسلم منه إلا الجسم الميت. ومع أن المرض يعني حالة ضعف، فهو أيضا علامة حياة. والشعوب الحية كما الجسم الحي، هي دائما تحت تهديد الضعف أو المرض، ولا تسلم منه إلا الشعوب الميتة، نعم الشعوب الميتة. فالتاريخ سجلّ حافل بقصص الشعوب التي تعرّضت للمرض، منها ما تعافى وبقي ومنها ما مات واندثر. فقد انقرضت شعوب لم تنجح في التعافي مما أصابها، سواء بسبب داخلي أو خارجي.

ويذكر القرآن أقواماً عاندوا رسلهم وأصرّوا على الفساد، فكانت نهايتهم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، ويذكرنا التاريخ بشعوب لم تستطع مواجهة تهديد خارجي كالاستعمار مثلاً، كما حدث لشعب الأنكا والهنود الحمر في أمريكا، أو تحول مناخي مفاجئ. ويقتضي البحث عن الدواء الشافي بالنسبة للشعوب النظر إلى تاريخها، ونحن الجزائريون نمتلك سجلا حافلا من الإنجازات، وبالإخفاقات أيضاً، فكيف السبيل إلى معرفة الداء واستخلاص الدواء؟
سنحاول تطبيق ما سلف على أسلوب الحكم في الجزائر وقيمه. لقد نجح النموذج الثوري إلى حدّ بعيد في توحيد العمل والقيادة الثورية ومن ثمّ تحقيق الاستقلال، لكن بات هذا النموذج في حاجة إلى تقييم موضوعي، لأنّ نتاج هذا النموذج وهو الشرعية الثورية التي مورس بها الحكم إلى الآن، لم يعد يشكّل مخرجاً لأزمة الحكم، التي ما فتئت تعلن عن نفسها في غير ما مناسبة. وسبب ذلك في الأساس إلى مجموعة القيم التي يحملها النموذج الثوري.
فأزمة ما قبل الثورة كادت أن تعصف بالعمل الوطني وتضحي به، وهو ما كان يعني سنوات أخرى طويلة من المعاناة تحت دولة الاستعمار. غير أن المبادرة التي أنهت الموقف بإعلان قيام الثورة، وإن كانت إيجابية في منطلقاتها ومراميها، إلا أنّها حملت معها قيماً شكّلت بذوراً لممارسات أخذت تبعد المسار عن الهدف المشترك “دولة ديقراطية اجتماعية”، وأضحى الصراع بين الإخوة الميزة الأساسية قبيل الإستقلال وبعده.
كانت الأزمة فيما قبل الثورة حول مسائل قيادة العمل الثوري، وتوقيت الإنطلاق، أي أن الهدف لم يكن عليه خلاف. وكان الحلّ المقترح للخروج من هذه الدائرة هي “المبادرة” – وهي قيمة إيجابية- لكنّها كانت مرتكزة على قيمة أساسية هي “الأحادية”، فرضت أحادية العمل الثوري، حتى باستعمال القوة إن تطلب الأمر. وأسّست بعدها لأحادية الحزب الحاكم، وفي حقيقتها أحادية الفريق الحاكم، وأحادية المشروع التنموي.
وتكمن خطورة العقيدة الأحادية المتبعة في استبعادها لأي مجال للتنوع، واعتبارها كلّ الأفكار الأخرى مشبوهة غير وطنية، تحرّكها أيادي خارجية تستهدف زعزعة استقرار الوطن. ويعتبر بالتالي استخدام كلّ الوسائل لإخضاعها من قبيل “الواجب الوطني”.بالإضافة إلى أن ذلك هدر لطاقات الوطن من رجال أصبحوا مشبوهين فقط بسبب انتقادهم لتلك الأحادية.
هذا عن الداء، أما الدواء فهو الانتقال من “النموذج الثوري” الذي يجمع أطياف المجتمع الجزائري عبر الشرعية الثورية باستعمال القوة، إلى النموذج الديمقراطي المتصالح مع الذات القائم على الشرعية الشعبية الذي يتيح المجال للحوار العام المستند على قوة الحجة وليس على حجة القوة،
هذا النموذج الدواء يستمدّ من الثورية قوّتها في العزم على بلوغ الهدف، وقبل ذلك وضوح الهدف، وشرعية الهدف. فقبل الثورة اختلف الفاعلون حول مشروع يغيّر حال البلاد والعباد، واستغرق تحوّل الاستقلال إلى هدف واضح المعالم -اتفق على شرعيته الشعب الجزائري- قرابة خمس عقود من النقاش بالحجج والحجج المضادة. وقد كان ذلك النقاش سبباً في احتضان الشعب للعمل الثوري فيما بعد.
وبالطبع فإن جدوى النقاش العام في تحديد الهدف لن يكون له الأثر المباشر في الواقع، لأنه يبدو في الظاهر محض كلام، لكنه مع ذلك سيساهم في التأسيس لوعي سيكون هو الضمانة لحماية الهدف وإمداده بالطاقة اللازمة لتحقيقه. وذلك يتطلب إيجاد مناخ من الحرية يتيح مشاركة المجتمع في تسيير شؤونه، وهذا ما يدعى بالأمن الاجتماعي الذي يعتبر نواة الأمن الوطني. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.