-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ويمكرون ويمكر الله

سلطان بركاني
  • 991
  • 0
ويمكرون ويمكر الله

لعلّ الواحد منّا لو تأمّل ما آلت إليه حال أمّة الإسلام في هذا الزّمان، من ضعف وهوان، وقلّب طرفه فيما يعانيه المسلمون في بلاد الله الواسعة من محن ونكبات قلّ أن يعرف تاريخهم لها نظيرا؛ سيتملّكه الحزن والأسى، وربّما ينتابه اليأس من أن تنهض هذه الأمّة بعد كلّ هذا السّبات، ويعودَ للمسلمين عزّهم بعد كلّ هذا الذلّ.. لكنّنا لو أمعنّا النّظر في الآيات التي يظهرها الله لعباده من حين إلى آخر تذكّرهم بأنّه سبحانه قادر على أن يحيي الأمّة ويبدّل واقعها من حال إلى حال، وأنّه مهما بلغ كيد الكائدين ومكر الماكرين وتآمر المتآمرين، فإنّ الحسيب الرّقيب لهم بالمرصاد، كيف لا وهو –سبحانه- الذي قضى وقضاؤه ماض لا رادّ له، بأنْ يتمّ نوره ولو كره الكافرون والمشركون.
لو عدنا إلى الوراء، وقلّبنا صفحات التاريخ، لوجدنا أنّ حروب الإبادة التي أعلنت على أمّة الإسلام، خاصّة منذ القرن الحادي عشر الميلاديّ إلى يومنا هذا، لو أعلنت على أمّة أخرى غير هذه الأمّة، لانمحى ذكرها من الوجود، وأنّ المؤامرات التي حيكت لهذه الأمّة لو تعرّضت لها أمّة أخرى لذهب دينها وبقي أثرا بعد عين.
قبل أكثر من 9 قرون، خلال الحروب الصليبية التي شنها الصليبيون على أمة الإسلام بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين، وكانت بدايتها في العام 1095م، بتحريض ديني صليبيّ من قبل البابا “أوربان الثاني” من مدينة كليرمونت فران الفرنسية، ولنا أن نتنبّه هنا إلى الدور التاريخي الذي لعبته فرنسا الصليبية في الحرب على الإسلام والمسلمين؛ كانت حروبا متسلسلة وحاقدة ومدمّرة، شنّت على المسلمين، ظنّ الظانّون أنّه لن تقوم لأمّة الإسلام قائمة بعدها.. لكنّ الله قيّض لأمّة نبيّه –عليه الصّلاة والسّلام- رجالا هبّوا هبّة الأسود الضّراغم، من طينة نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، وممّن جاؤوا من بعدهم، أعادوا للأمّة –بفضل الله- عزّها ومجدها..
وهكذا في نكبة التتار التي تخللت الحروب الصليبية، وذاق المسلمون خلالها ما لم يذوقوه من قبل، قيّض الله للأمّة رجالا أصحاب همم تناطح السّحاب، من طينة سيف الدين قطز والظاهر بيبرس، أذاقوا التتار حرّ السيوف وهزموهم شرّ هزيمة.. وعندما دبّ الوهن في أوصال أمّة الإسلام أواخر عهد العباسيين، وظنّ الظانّون أنّ نجم أمّة الإسلام يميل إلى الأفول.. قيّض الله للأمّة العثمانيين الذين انتشلوا العالم الإسلاميّ ممّا آل إليه، وانطلقوا فاتحين في بلاد أوروبا حتى بلغوا جنوب فرنسا التي انطلق منها نداء الحروب الصليبية.. ولولا المؤامرات والدسائس التي حيكت للأمّة من الدّاخل، لفتح العثمانيون أوروبا بأكملها.
تعرّضت أمّة الإسلام أواخر عهد العثمانيين إلى مؤامرات مركّزة، من الدّاخل والخارج، وتحالف ضدّها الصليبيون ومعهم المنافقون، ودبّ الوهن في أوصال الأمّة مرّة أخرى واحتلّت أغلب بلاد المسلمين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين؛ احتلّت فلسطين وسقطت الخلافة العثمانية، وتعلّم الصليبيون من تجاربهم السّابقة أنّ هزيمة المسلمين في المعارك لا تكفي وحدها، لأنّهم لا يلبثون أن يستقووا بعد ضعف وينتصروا بعد هزيمة، فما كان منهم –أي الصليبيين- إلا أن ركّزوا كيدهم ومكرهم لتشويه دين الإسلام وإبعاد المسلمين عن دينهم.
صوّب الصليبيون سهام مكرهم نحو قلب الخلافة العثمانية، تركيا، وصنعوا طابورا من العملاء تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك؛ أوكلوا إليه مهمّة الحرب على الإسلام من الدّاخل. بدأ أتاتورك تنفيذ المهمّة القذرة التي اضطلع بها، وأعلن حربا لا هوادة فيها على الدّين؛ فمنع المدارس الدينية وألغى المحاكم الشرعية، وفرض قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، ومنع الحجاب، ومنع الطربوش والعمامة، وروج للباس الغربي. وفي العام 1928م ألغى استخدام الحرف العربي وفرض استخدام الحرف اللاتيني، بل وبلغ به الأمر إلى حدّ أنّه منع الأتراك من الحجّ إلا في حالات قليلة، ومنع الأذان باللّغة العربيّة، وأغلق المساجد الكبيرة وحوّلها إلى مخازن واصطبلات، وفرض العلمانية المتطرّفة على المجتمع فرضا وجعلها هي الدين الذي لا يقبل دينا غيره، وزعم أنّ تقدم تركيا وتطورها لن يكون إلا بتخلّصها من كلّ ما يمتّ إلى الدّين بصلة! لكنّه –وعلى خلاف ما زعم- قاد تركيا إلى التخلّف والتقهقر، لأنّ همّه وهمّ الذين كانوا معه وورثوا نهجه العلمانيّ، لم يكن خدمة البلاد، وإنّما التزلّف إلى الغرب النصرانيّ بالحرب على الدّين الإسلاميّ.
عانت تركيا أتون العلمانية على مدار ربع قرن من الزّمان، حتى كانت خمسينات القرن العشرين، أين ظهر على مسرح الأحداث رجل شهم غيور على دينه وأمته، نحسبه كذلك، يدعى عدنان مندريس؛ سعى سعيا حثيثا إلى تخليص تركيا من سرطان العلمانية المتوحّشة، واستطاع –بفضل الله- أن يصل إلى سدّة الحكم، فسمح للأتراك بالحج وأعاد الأذان باللغة العربية، وفتح المدارس لتدريس اللغة العربية وشيد 10 آلاف مسجد و20 ألف مدرسة لتحفيظ القرآن و22 معهدا لإعداد الدعاة، وقام بطرد السفير الإسرائيلي في العام 1956م، وظل يناضل ويتصدّى لمؤامرات العلمانيين الذين استعانوا بالغرب وطلبوا دعمه لإسقاط مندريس، فتحرّكت خفافيش الظّلام، وتمّ تدبير الانقلاب ضدّه في العام 1960م، وقبض عليه وحكم عليه بالإعدام شنقا بتهمة رفع الأذان بالعربية وتحويل تركيا من العلمانية إلى الإسلام، ونفّذ فيه حكم الإعدام في سبتمبر 1961م، ليرتقي شهيدا سعيدا حميدا نحسبه كذلك.
عادت تركيا بعد عدنان مندريس إلى العلمانية المتوحّشة، وأجلب العلمانيون بخيلهم ورجلهم واستنفروا إعلامهم واستقووا بالغرب لإعادة تركيا إلى نهج أتاتورك، وغرّهم ما رأوا من مظاهر ونتائج، وظنوا أن تركيا لن تعود مرّة أخرى إلى حضن الإسلام.. مكروا مكرهم ونسوا مكر الله بالماكرين..
لم ييأس الأوفياء المخلصون، وظلّ الغيورون على دينهم يعملون بعيدا عن الأضواء لإعادة الكَرّة، وردّ قطار تركيا إلى وجهته الصحيحة، فتوّجت جهودهم الخيّرة بعد 41 سنة من إعدام عدنان مندريس، وردّ الله لهم الكرّة على العلمانيين في العام 2002م، فانطلقوا يعملون بحكمة وتعقّل وطول نفس، مع حذر شديد من مكر العلمانيين، وها هم الآن، بعد أكثر من 20 سنة، يبنون بلدا قويا في تعليمه واقتصاده وتسليحه، ويعودون بتركيا رويدا رويدا إلى حضنها الإسلاميّ؛ حيث قيدوا تعاطي وترويج الخمور، وفصلوا بين إقامات الطلاب والطالبات في المدارس والجامعات، وسمحوا بارتداء الحجاب في المدارس، وإقامة الصلوات في الإدارات، وسهّلوا افتتاح المدارس القرآنية والمعاهد الشّرعيّة، وخرّجوا –بفضل الله- الآلاف من حفظة كتاب الله، وأكرموهم وكرّموهم على مرأى ومسمع من العالم، وأرسلوا أفواجا من الحفظة إلى بيت الله الحرام ليعتمروا، وهم الآن يعدّون لمشروع ضخم تتحوّل بموجبه المساجد إلى مراكز دعوية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!