الرأي

ياسر الفلسطيني.. الثابت على الثابت

بقلم: مراد السوداني
  • 279
  • 0

ذكراك الكاوية لافحة كبروق خضراء.. وأنت الباقي والحاضر بكامل إشعاعك الغامر.. لتمنح الوقت معناه، وتحوّل المكان إلى مكانة تنفتح على العناد البليغ والصمود الفذّ وشرارة التحدي العارم..

يا أبا عمّار.. غادرت هذه الفلسطين وتركتَ إرثاً من البطولات والفداء تعاظم حتى طفح بحر العطاء، وغمرنا الفعل حتى صرت أيقونة في كل بيت وطلقة بين الثائرين، وقلماً بيد شاعر، وحكاية على شفاه الجدّات وموالاً على بيادر القمح السماوي، ونشيداً يردّده الصغار وهم يعبرون أقواس النار.

ظلّ أبو عمار ثابتاً على الثابت.. لم تنل منه المنافي الناهبة.. عبر طرقاً موحشة، احتمل التقوّلات واصطبر على الظلم والظلمات، وعبر بقلب مضيء إلى هذه الفلسطين، أخذ من ممكنات السياسة ما يؤسّس لحلم الدولة.. فأرسى مفاهيم التأسيس، على الرغم من آلة الموت والدمار التي وزّعها النقيض الاحتلال على جسد البلاد وروحها.

ظلّ أبو عمار قريباً من الجماهير، ينحاز لقولتهم ووجدانهم الهادر.. ويشحذ هممهم بندائه الواثق: “على القدس رايحين شهداء بالملايين”. حتى صارت ثيمة السيرة والمسيرة في إشارة إلى القدس، أول الحلم ومنتهاه.. وعندما أحكمت أطواق الحصار أنيابها الحديدية المسمومة على “المقاطعة” وشرعت في التهديم، أثبت الشهيد ياسر عرفات، قدرة استثنائية على المواجهة، حدث كل ذلك أمام عيني العدالة العربية والعالمية النائمة.. والتي تركت فارس المقاطعة ومن معه يواجهون قدرهم في الدفاع عن سقف الأمة العربية.. ويسطّرون في كتاب المواجهة والتحدي فضاءً يليق بالكبار والثائرين الذين يحفرون اسمهم واسم بلادهم على شجر الشمس.

أشعل شمعة الصَّبر وامتشق بندقيته التي التقتطها كاميرات الصحافة في تأكيد لا يقبل الالتباس، إصراره على الشهادة، في إعلان اشتباك مع هذا العدوّ الذي حاصره ياسر عرفات وجمهرة المقاتلين معه بثبات مكين أدهش العالم وكشف القناع عن أوجه القتلة العابرين.

تحوّلت “المقاطعة” إلى قنطرة نزال وقلعة مواجهة استدرجت الوعي الكوني إلى أتونها.. وأجبر الجميع على الالتفات إلى أسطورة الجبارين في أرض كنعان سليلي عوج بن عناق.

هذا هو ياسر عرفات الذي تمسك بالمقاومة حتى اللحظة الأخيرة ورفض الاشتراطات الشوهاء ومشارط التهديد الذابحة، وأعلى سياق المنازلة كلمّا هبّت رياحُ العصف الكيّادة، واشتدّ لفحها.

في صموده الأسطوري الدرس الأتم والأعلى.. ثبّت الشهيد ياسر عرفات الثبات وشماً أبدياً في معركة التحرير، رافضاً الانكسار والسقوط في لحظة السقوط والتردي.. هذا هو دور البطل التاريخي، فهو صائدٌ للّحظة التي يوقف الزمن عندها كجوهر أنقى بحجم الكون واتساع الحلم، لحظة يتكثّف من خلالها مفهوم البطولة ويشعّ عالياً.

ياسر عرفات في رحيله يشبه أبطال الإغريق المحمولين على التراجيديا، تودّعهم البلاد بالغار والأقحوان وأغصان الزيتون فيتوهجون على ماء الحلم والحق والحقيقة.

طوبى لياسر عرفات الاسم الحركي لبلادنا، وطوبى لبلادنا التي حملت شهيدها إلى أربعة رياح الأرض ليظلّ قوس النار مشدوداً.. ونظلّ ثابتين على الثابت حتى التحرير الناجز لهذه الفلسطين المعانِدة من الماء إلى الماء.. حتى انتصار وصايا الشهيد.

مقالات ذات صلة