ياو عليكم الفلاّڤة!
فرنسا تـُريد أن توفد قضاتها إلى الجزائر للتحقيق في قضية اغتيال رهبان تبحرين، وفرنسا تـُريد أن تفتـّش عن وضعية حقوق الإنسان في الجزائر، وفرنسا تسعى لاسترجاع “ممتلكات” الأقدام السوداء في الجزائر، وفرنسا تـُريد إرسال “الحركى” رفقة رئيسها في زيارته إلى الجزائر، وفرنسا لا تـُريد أن تعترف وتعتذر عن الجرائم الاستعمارية في الجزائر!
..هذه بعض “الرغبات” البهلوانية التي تـُريد “فافا” أن تحققها من وراء زيارة فرانسوا هولاند إلى الجزائر، ولعلّ المُستمع إلى تلك الشطحات الكوميكية، يظن – وبعض الظنّ إثم – أن فرنسا مازالت تعتقد واهمة بأن الجزائر لازالت “قطعة من فرنسا”، أو على الأقل “مستعمرة قديمة”، لا يجب التعامل معها كدولة مستقلة وذات سيادة، فصدقوا أو لا تصدقوا هذه الخزعبلات!
حتى مدفع بابا مرزوق ومفاتيح العاصمة، تراجعت فرنسا تحت ضغط اللوبي المتطرّف، عن تسليمها للجزائر، حتى وإن كان هذا المدفع وهذه المفاتيح، مجرّد حركة لا تنفع بقدر ما تحيي الجراح وتقلب المواجع، إلاّ أنها فعل بإمكانه أن يذوّب جزءا من جبل الجليد الأحمر!
هذه هي فرنسا، وما الذي ينبغي انتظاره من فرنسيين قالوا بالفمّ المليان أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لن تتحسّن إلاّ إذا انقرض جيل الثورة، وقالوا أيضا أن الأبناء لا يعتذرون عن أخطاء آبائهم، وذلك في ردّ صريح على مطلب الاعتراف والاعتذار عن جرائم المستعمر؟
لكن، دعونا نقول بكلّ صراحة: أليس العيب فينا، لأننا استسلمنا للتخاذل والانبطاح باسم التأقلم و”التعايش السلمي”؟ أليست نخبتنا هي التي “باعت الماتش”؟.. ثم أين منظمة المجاهدين ووزارة المجاهدين ومنظمات أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين؟ أين “نواب الشعب”، وأين النخبة من مثقفين وإعلاميين وفنانين ومؤرخين، وأين الأحزاب والشخصيات السياسية والتاريخية والوطنية؟
عندما يصطحب هولاند رفقته نحو 250 إعلامي وصحفي، و”يُشاور” المؤرّخ بينجامين ستورا، المتخصص في تاريخ الثورة الجزائرية، فعلينا أن نرسم علامات استفهام وتعجب أمام الشرخ الذي يضرب كياننا ويُمزق شملنا ويفرّق آراءنا.. فالحمد لله ما بقاش الاستعمار في بلادنا!
كان بالإمكان عقد جلسة “تصالح” بين فعاليات المجتمع الجزائري، حتى حين يصل هولاند يجد نفسه أمام نخبة متفقة على كلمة واحدة ومطالب مشتركة، بدل أن يحلّ بالجزائر فيكتشف أن “كلّ طير يلغى بلغاه”، وهو ما سيسهّل مهمته التي تنتعش وفق مبدأ “فرّق تسد”!
الأحزاب أو البرلمان أو الأسرة الثورية، التي عجزت عن توحيد كلمتها حول تجريم الاستعمار ودفع فرنسا الرسمية على الاعتراف والاعتذار والتعويض، لا يُمكنها أن تـُرغم الرئيس الفرنسي على ردّ حقوق الجزائريين والسير ضد التيار الذي سار فيه سابقوه من المتعاقبين على قصر الاليزيه!
من غير المُمكن أن تنجح الضغوط الجزائرية، إذا تكرّرت “سابقة” مشابهة لتلك التي أطلقها كوشنير، عندما رفض مصافحة وزير مجاهدي الجزائر، حين جاء مرافقا لساركوزي إلى الجزائر في وقت سابق، مثلما لن تنجح هذه الضغوط، إذا استمرت فرنسا في استفزاز جيل الاستقلال بتمجيد وتخليد الحركى.. وعلى كلّ حال، هولاند اليوم وغدا في الجزائر، وستتضح إن كانت زيارته للتصالح، أم للمصالح، أم للحنين إلى الماضي؟