يا فرحة ما تمت
ما هو سقف الأفراح في دنيا الرياضة؟وما هو الزمن المناسب لها بعد الانتصارات الكبرى؟سؤالان مهمان.. والإجابة عليهما تحمل الفارق الشاسع بين الاحتراف الحقيقي والاحتراف الزائف الذي نعيشه في كل عالمنا العربي بلا استثناء.
للأسف.. ثقافة تقنين الفرحة غائبة عن أغلب الرياضيين العرب.. وتحقيق أي لاعب أو فريق عربي لنصر كبير يدخله وأنصاره في حالة من الأفراح العارمة التي تزيد عن حجمها ويطول زمنها ولا تنتهي إلا بسقطة كبرى.. ويعود هذا النقص إلى فقر الوعي بجوانب وعناصر الاحتراف الحقيقي وجهل الكثيرين من اللاعبين والمدربين بالإعداد النفسي السليم للاعب الفائز لإخراجه من النشوة الزائدة.. وإعادته الى حالته الطبيعية لتلمس قدماه الأرض مجددا بعد أن يحلق بأفراحه فوق سحب الخيال.
على العكس يعرف المحترف الأوروبي والأمريكي أن أي مباراة هي مجرد خطوة تعقبها خطوات أخرى.. وأن الفوز بأي بطولة ليس نهاية المطاف لأن الزمن لا يتوقف.. وعليه أن ينظر دائما إلى الأمام ويرفع تركيزه ومستواه ومهاراته ولا يفكر أبدا في الماضي لأن من ينظر إلى خطوته السابقة يتعثر ويسقط.. ويسعى اللاعب أو الفريق دائما إلى رفع سقف طموحاته من عام لآخر وفقا لبرامج علمية مقننة من الإعداد النفسي.. ولعل الانجازات الأسطورية للاعبين الفريدين الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو خير دليل على خضوعهما لأعلى درجات التأهيل النفسي الممتاز رغم تعرضهما لأعلى درجات وأنواع الضغوط.. وفي إصرارهما على الارتفاع بمستواهما وإنجازاتهما بشكل دائم نموذج يجب على الجميع الاقتداء به.. وكلاهما لا يخلد للراحة أو للسقوط في محيط السعادة رغم وفرة وعظمة الألقاب والجوائز التي نالها النجمان في السنوات الأخيرة.. والأمر ينطبق أيضا على العداء الجامايكي أوسين بولت أسرع رجل في العالم وأبطال التنس الصربي نوفاك ديوكوفيتش والإسباني رافاييل نادال والسويسري روجي فيدرير.
الأسبوع قبل الماضي رفعت كرة القدم في الجزائر ومصر أعلامها عالية بعد التأهل التاريخي لوفاق سطيف إلى نهائي دوري الأبطال على حساب مازيمبي الكونغولي والتأهل الأول للأهلي الى نهائي كأس الكونفيدرالية على حساب القطن الكاميروني.. وعاش الناديان ولاعبوهما أفراحا طاغية زادت عن الحدود رغم أن ناديي وفاق سطيف والأهلي لم يحققا شيئا كبيرا حتى الآن والوصول إلى النهائي ليس بإنجاز إلا إذا تبعه انتصار وتتويج.. ومن غير المنطقي أن نعيش نشوة الأفراح لمجرد الوصول إلى النهائي بعد أن عرف عشاق الكرة الجزائرية مع منتخبهم مذاق النجاح في المونديال.. وبعد أن تربع الأهلي منفردا على عرش الكرة الإفريقية بأكبر عدد من الألقاب وبينها الفوز بدوري الأبطال في العامين السابقين.
الأفراح الزائدة لم تدم وبعدها كان سقوطهما مؤلما وفظيعا في توقيت متزامن ظهر الخميس الماضي في المسابقات المحلية.
وفاق سطيف (النسر الأسود) خسر نقطتين غاليتين في مباراته التالية مباشرة في الدوري الجزائري في ملعبه 1-1 مع ضيفه مولودية بجاية رغم أنه كان الأكثر استحواذا وفرصا.. ولولا مهارة سفيان يونس في الوقت بدل الضائع لخرج من اللقاء مهزوما.. وكانت سقطة الأهلي حامل لقب الدوري المصري أثقل كثيرا بخسارته للمرة الأولى في تاريخه أمام فريق مغمور جدا هو الرجاء المطروحي حديث النشأة والصاعد للدوري في الموسم الماضي فقط.. وكالعادة كان الأهلي أكثر استحواذا وفرصا ولكنه استقبل هدفين في هجمتين نادرتين لمضيفه وانهزم 2-1.
خير الدين ماضوي المدير الفني لوفاق سطيف أكد أن نقص التركيز كان سبباً رئيسياً في تعادل الفريق في ملعبه الثامن ماي أمام مولودية بجاية. لكنه أضاف قائلا: “يجب علينا أن نعترف بأن اللاعبين يعانون من نقص في اللياقة البدنية بعد الجهد المبذول في لقاء مازيمبى الأخير في لوبومباشي”.
كان ماضوي صادقا تماما في قوله عن نقص التركيز بين لاعبيه لكنه اخطأ كثيرا في ادعاء نقص اللياقة وهو عيب يتحمله كمدرب.. وهو تجاهل الحديث عن سوء الإعداد النفسي للاعبيه ونقص تجهيزهم معنويا للمباراة الصعبة.
وخرج غاريدو المدير الفني الاسباني للأهلي على الجميع بقول غريب مشيدا بلاعبيه ومجهودهم وأدائهم وملقيا بأسباب الخسارة على سوء الحظ.
أخشى أن نظل كعرب سعداء بأقل القليل.. طموحاتنا محدودة.. نحتفل بانتصاراتنا الهزيلة وكأنها غزوات تاريخية.. ونكرر الأمثال الشعبية القديمة التي تحث المرء على القناعة بأقل الأشياء وعلى تقليل سقف الطموح والاعتياد على الشكوى.
وقديما قال العرب في أمثالهم: (اللي يطلع لفوق تنكسر رقبته)..
(العين بصيرة واليد قصيرة) (نص أهل حارتنا زي حالتنا).. وهي أمثال نرجو أن ينساها لاعبو وفاق سطيف والأهلي بعد أن عاشوا أياما مع المثل القديم (يا فرحة ما تمت).