-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

يترَبَّصون بالخطأ ليأكلوا صاحبه!

بقلم: الشّيخ محمّـد الغزالي، رحمه الله
  • 450
  • 0
يترَبَّصون بالخطأ ليأكلوا صاحبه!

كنت يومًا أتحدَّثُ في موضوعٍ غيرِ ذي بال، وفي المجلس رجلٌ موصوف بالسلفية، وجَرَت على لساني كلمةٌ مُوْهِمة لم أقصد إلى شيء بها، وتَلَفَّتُّ، فإذا الرجلُ يَحسب في نفسه مسارَ فكري، ويُقَدِّرُ أنّي سأتَوَرّطُ في كذا وكذا وكَشَّر عن أنيابه واسْتَعدَّ للفَتك! غير أنّ الحديث انْعرَج إلى ناحية أخرى وشعرتُ بأنّ الرجل آسِفٌ لأني أَفْلَتُّ منه. قلت له: فلان! قال: ما تريد؟ قلت: رأيتُك مُتَحَفِّزًا لِلنِّزال..

ثمّ كفى الله المؤمنين القتال. قال: نعم، حَسِبْتُك ستقول ما لا أوافِق عليه. قلت: إنّكم تَتَرَبَّصون بالخطأ لتأكلوا صاحبه، فإذا فاتكم شعرتم بالحزن! ليست هذه يا صاحبي خلائق المؤمنين! إنكم تَجْمَعون جملةً مِن صفاتِ العناد والتحدي والحِقد وتَلَمُّس العيب لِلبُرَآء، وهذا كله مرفوضٌ في ديننا. قال: نحن نُدافعُ عن السّنن، ونحارب المحدثات. والناس تأبى إلَّا الابتداع، وما يرموننا به باطل. قلت: ليت الأمر يكون كذلك؛ إنكم تُهاجمون المذاهب الفقهية، وتَخْدِشون أقدار الأئمة، وتتركون انقساماتٍ عميقة بين الناس باسم السلفية، والعلم الصحيح لا يَأخذ هذا المنهج. قال: نحن نرفض التقليد المذهبي، ونُعَلِّم النّاسَ الأخذ المباشر من الكـتاب والسنّة. أَتَأْبَى أنت ذلك؟! قلت: لا يأبى مسلمٌ الارتباط بكتاب رَبِّه وسنّة نبيّه –صلّى اللهُ عليه وسلّم-، وتصوّركم أن الفقه المذهبي يستقي مِن نبعٍ آخر غيرِ الكتاب والسنّة غير صحيح. والفقهاء الأربعة الكبار نماذج رفيعة لاحترام الكتاب والسنة، ولا يُلام مسلم تبِع واحدًا منهم، كما لا تُلامون أنتم في اتّباع الشّوكاني أو الألباني أو الصنعاني… إلخ. قال: ذلك ما نقول. قلت له: لا، إنّكم تَرون رأيَكم –الذي تابعتم فيه أحدَ الناس– هو الحقَّ وحدَه، ثم تَشُنُّون هجومًا على مَن خالَفه بوصفه خارجًا عن السنة! كأنّ السنة وُقِفَت عليكم أنتم لا غير! أحبّ أن تَعلموا أنّ الاجتهاد الفقهي خطؤه وصوابه مأجور، وأنّ الأمر لا يتحمل عداوةً وفرقة!

الرّأي عندي: أن المأساة خُلُقية لا علمية، وأولى بكم أن تَتواضعوا لله وتُصْلِحوا نيتكم معه، وتَتَطامنوا لإخوانكم المؤمنين، وتُحْسِنوا الظنّ بـهم.. إذا اقتنعتم برأي فمِن حقِّ غيرِكم أن يقتنع بضدّه، ولا مكان لحربٍ ولا ضرب، والخلاف الفقهي لا حرج منه. أمّا الإثم؛ ففي التعــصّب المذهبي الضيّق. والعالم الإسلامي رَحْـب، والمذهب الذي يضيق به قطر يتّسعُ له آخــر، والذي يَنْبُو عنه عصر تتّسع له عصــور أخرى. (من “سر تأخر العرب والمسلمين”).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!