الرأي

يتسلّون‭ ‬بأوجاع‭ ‬الناس؟

الشروق أونلاين
  • 3427
  • 12

قبل أن تلد لجنة التحقيق البرلمانية نتائج “سهرها المضني” حول أحداث السكر والزيت بعد حمل مشكوك في شرعيته جاوز التسعة أشهر، كان الشارع الجزائري قد حطّم رقما قياسيا في الاحتجاجات، اعترف السيد عبد العزيز بلخادم أن عددها تجاوز الخمسة آلاف، وأقسم آخرون أن الرقم أضعاف أضغاف ما قاله بلخادم، تمثلت غالبيتها في شلّ حركة السير ومنع المواطنين عن قضاء حوائجهم، وكان المتسببون في هذه الاحتجاجات أكثر تشبثا بكراسيهم، وعندما نبحث عن أسباب أحداث السكر والزيت كل هذه المدة، فما هو عدد السنوات وربما القرون المطلوبة لمعرفة أسباب ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬احتجاج‭ ‬تصنع‭ ‬يوميات‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإعتصامات‭ ‬والإضرابات‭ ‬والاحتجاجات‭ ‬الصامتة‭.‬

المواطن اقتنع بأن لقاءه لمستعصي قانونيا مع مسؤوليه لا يمكن أن يتم سوى بخرق القانون، وتوجد بلديات برمجت مشاريع صحة وتعليم على المدى القريب ولكن احتجاج المواطنين على الغاز جعلها تستنزف الأموال لأجل إسكات المحتجين، فأصبحت البلاد تسير بلا برنامج، وقد يتحول المخطط الخماسي القادم الذي قال عنه كبار المسؤولين أنه آخر أمل للنهضة والذي خصصت له الدولة من ريع البترول 286 مليار دولار رهنا لنزوات المسؤولين، ولاحتجاجات مواطنين أحيانا لا يمثلون في احتجاجاتهم ما يرتضيه أهل قريتهم.
وكما ولدت سنوات الدم الطويلة جيل عنف رفع حالات الاعتداءات في المؤسسات التربوية إلى أربعين ألف حالة في العام الواحد، فإن سنوات الإحتجاج ستلد لنا بالتأكيد جيلا لا يعترف إطلاقا بالقوانين، مادام الواقع يقول أن الذي يبني كوخا قصديريا يتحصل على سكن والذي يحتل رصيفا يحصل على متجر والذين يقطعون شرايين الحركة على المواطنين سينالون مبتغاهم، وعندما يشهد الإبن كيف يحصل والده على منصب شغل بعد استعراض انتحاري بالنار والبنزين فإنه سيكون قد فهم الدرس جيدا بأن نيل المعالي ليس بسهر الليالي وبالشهادات والتفوق، وإنما بغلق الطرقات والتهديد بالانتحار، ولن تكون الدولة بعد ذلك في حاجة إلى مرصد يحارب الفساد أو لجنة تحقيق برلمانية في أحداث البطاطا أو العدس، وإنما لوقف كارثة خروج الجزائريين عن التحضّر بشكل نهائي، لأن البقية الصامتة المهضومة الحقوق التي لبسها الحِلم والحياء ستلتحق بالمحتجين إن لم تكن قد التحقت فعلا بعد أن باشر أئمة إضرابهم عن الطعام وكانوا منذ أشهر يفتون بتحريم هذا الأسلوب من الاحتجاج ويقرّون بأنه بدعة محدثة، وبعد أن دخل الجامعيون وبعضهم من عباقرة العلم في احتجاجات صارت نوادر لدى البسطاء عندما امتزج غضبهم بالياغورت والمعكرونة‭.‬
إذا كان هناك من يستحق أن يكون شخصية العام “الفاعل” في الجزائر خلال سنة 2011 فهو بلا منازع المواطن الذي نسي نهائيا واجباته وصنع من نفسه أحيانا حاجزا ثابتا أمام المواطنين حتى لا يتحركوا، وأحيانا أخرى بطلا لفيلم هيتشكوكي بعنوان محاولة انتحار لأجل الحصول على حقوق انتظر سنوات طويلة للحصول عليها من دون جدوى، وإذا كان هناك من يستحق أن يكون شخصية العام “الغائب وغير مبال” فإنه بلا منازع المسؤول الذي صار يتسلى بهذا الوضع المؤلم، لأن بلوغ رقم الاحتجاجات كما قال السيد بلخادم 5000 قابله صفر في الاستقالات، ومؤلم أن يقول عضو‭ ‬بلدي‭ ‬سحب‭ ‬ثقته‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬بلدية‭ ‬أن‭ ‬رئيسه‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬للأعضاء‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬صباح‮:‬‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬نكتة‭ ‬جديدة‭ ‬ابتدعها‭ ‬مواطن‭ ‬في‭ ‬احتجاجه‭ ‬لنتسلى‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الصباح؟‭     ‬
 

مقالات ذات صلة