يدعو لأندلس إن حوصرت حلب
نزلت بنا الطائرة في مطار مدريد فجرا.. كنا مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي والفكري الإسلامي متجهين إلى المشاركة في حوار حضاري بمدينة إشبيلية الإسبانية.. استفسرنا عن كيفية إقامة صلاة الفجر فدلنا الشرطي الإسباني من أصل مغربي إلى اتجاه القبلة.. ولكنه طلب منا ألا نصلي جماعة في مكان مكشوف فـ”هذا سيثير البلبلة بين الركاب الأجانب”.. هنا استفز جمعنا وأصبح الإصرار باديا علينا بأنه لابد من صلاة الفجر جماعة.. وأخذ كل منا يفسر ويجلب الأدلة.. وأغرب الأدلة التي سمعتها حينذاك: “أن الأندلس أرضنا وهي حقنا ونحن الأولى بها وسنصلي الفجر جماعة رغم أنف الصليبيين”.. كان بعضنا قد قدِم من غزة، ونسينا أننا نحرم من الصلاة في المسجد الاقصى! إنه تجاهلٌ للواقع وانسحابٌ خيالي إلى التاريخ..
..“يدعو لأندلس إن حوصرت حلب“.. أستعير هذه الجملة من قصيدة للراحل محمود درويش وأنا أتابع محاولات البعض ممن رمت به الأقدار لقراءة شيء من الكتب الصفراء في المِلل والنِّحل وأقوال أهل الفرق والتنابز والاختلاف في مرحلة التلهي بالأقوال في زمن الانحطاط الثقافي للأمة.. أليس من الخبل أن نتنادى للأندلس فيما نحن نعيش ضياع فلسطين والقدس الشريف ودمار مناراتنا في أكثر من مكان؟ أليس من الخبل أن نتنافر ونتنازع في آرائنا المتعددة واختلافات السابقين حولها فيما نحن نواجه عدوا يريد أن يبيدنا جميعا بكل وجودنا الإنساني والحضاري؟ أين نحن من التحذير الإلهي من أن نصبح أحزابا وشيعا نمزق ديننا وأمتنا كل حزب بما لديه فرح فخور..؟ إنه من العبث المخجل أن نعيد فتح صفحات أشبعت كلاما ولغوا بين فقهاء المذاهب والآراء المختلفة اليوم حيث نحتاج إلى نوع آخر من الكلام.. نحتاج إلى كلام يدلنا على جوهر التحدي بيننا وبين الغرب، وعلى طبيعة الهجمة الاستعمارية علينا، وعن أزماتنا في الثقافة والاقتصاد والسياسة والمجتمع.. نحن بحاجة إلى كلام كثير عن الخلل البنيوي في مجتمعاتنا، لا أن نستعيد الكلام عن أحكام لمواقف سبقت وانتهى شخوصها وواقعها..
إن الحكمة والإخلاص للدين وللأمة ولمصلحتهما أيضا، تقتضي أن تكون الدعوة لرحمة وخير الناس أجمعين قال تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين“. وهذا هو تعظيم القرآن والالتزام بتوجيهاته قال تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا“. ومن حسن حظ أمتنا أن الله حدد لها شروط شهادتها على العالمين وذلك بأمرها بالمعروف، وأي معروف أولى من وحدة الكلمة ونهيها عن المنكر، وأي منكر أبشع من التفرقة والتناحر.. وعلى هذه الشهادة يدور القرآن الذي لا يأتيه الباطل.. وقد أجمعت الأمة بعلمائها من شتى المشارب على المصحف الذي بين أيدينا.. فكيف لا يتم الالتفات إلى توحد الناس حول القرآن ويتم التضخيم في اختلافاتهم حول اجتهادات البشر؟!
وفي باب التفسير والتأويل الذي يحتمله النص وتحتمله سعة الدين وتنوع الأفهام في الأزمنة السابقة، اصطفت كل المدارس العقائدية السلفية بأنواعها والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والصوفية وسواها، ولقد حصل بينها من الاختلافات الشيء الكثير وأحيانا هناك متناقضات صارخة بين أصحاب رأي وآخرين في مسائل حساسة في الاعتقاد.. كما تعددت المدارس الفقهية: شافعية ومالكية وحنبلية وحنفية ومذهب الليث بن سعد والاوزاعي وابن حزم الظاهري وفقه أئمة آل البيت والخوارج والزيدية وسواها… وحصل بينها اختلافات عديدة ولعله لا توجد مسألة فقهية إلا وفيها تنوّع في وجه من الأوجه بل إن الاختلاف حاصل في المدرسة نفسها حول مسائل.. وتنوعت المدارس السياسية في الخلافة والحكم؛ فأهل السنة والجماعة والخوارج والزيدية والجعفرية كل منهم له رؤيته في تنصيب الإمام وفي فلسفة الحكم ولكل منهم مستنده وتأويله.. واتفق أكابر العلماء السابقون واللاحقون على أن كل تلك الاختلافات مبررة ومقبولة مادامت تستند إلى تأويل النص تأويلا يحتمله ورفض أكابر العلماء السابقين واللاحقين أن يخرجوا صاحب رأي من الملة ما لم يحلّ حراما ويحرّم حلالا وينكر معلوما من الدين بالضرورة أو يتجاوز على نص بتأويل لا يحتمله.
إن تلك المدارس المتنوعة في الفقه والعقيدة والسياسة جاءت للإجابة عن أسئلة زمانها لحل إشكاليات الأمكنة المختلفة والبيئات المتباينة والأفهام المتنوعة والحكم ومبرراته ودواعيه، كما أنها جاءت للرد على تحدي الثقافات والفلسفات التي ترجمت إلى العربية وهي عملية ضخمة تعبر عن دينامية الإسلام وعبقرية العلماء الأفذاذ، وهي رصيدٌ معرفي مهمّ وثري ولكنه ليس بملزم بحال من الأحوال للأجيال القادمة لا سيما في مجال التأويل والاجتهاد، لأن العلماء أنفسهم رضوان الله عليهم غيروا وبدلوا في آرائهم في حياتهم في مسائل عديدة.
وانطلاقا من هنا، ومن أسباب أخرى كذلك، تلغى عملية القداسة لكلام الرجال مع كل التوقير لهم ولجهودهم الجبارة.. فلنا أن ننعم بأحسن ما فيها، ولسنا مجبرين على التمسك بما لا يفيدنا في زماننا المختلف في احتياجاته حيث اختلاف الأولويات واختلاف التحديات التي تستوجب نوعا آخر من الاجتهادات.. ثم إن هناك مسائل خلافية تاريخية تفقد اليوم مبررات وجودها بغياب أشخاصها، ثم إن هناك معطيات علمية جديدة أصبحت قادرة على ترجيح موقف على موقف. هذا كله يدفعنا إلى التعامل مع القرآن وصحيح سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بروحية البحث عن سبيل الرشاد.. وأول ما يفيدنا من الرصيد الضخم للسابقين الذين توزعوا وتوسعوا في الاجتهادات والاختلافات هو مشروعية التنوع ولكن في إطار الوحدة ثم الامتلاء باليقين بأن المخالف في الرأي والتأويل ليس كافرا ولا ضالا ولا خارجا من الملة.. وأن أي اختلاف لا يجيز العدوان واستباحة الدم والمال والعرض.. لأن رد العدوان المادي هو فقط ما يبرر النيل من الأنفس.. في إطار من القوانين والتشريعات التي ترفض الجريمة والغلو.
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.. هذا هو القول الجامع لا قول فلان ولا علان من العلماء والمجتهدين.. أجل إن لكل مجتهد نصيباً من الصواب كما قد يكون له نصيب من الخطإ والقصور.. لقد ذهب العلماء رضوان الله عليهم وبقي القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.. وعليه، فلتلجم الألسنة الناعقة بإثارة الفتن بين المسلمين لتمزيقهم وتحريضهم ضد بعضهم البعض ليصطاد الشيطان فرصته في إذكاء التفرقة والتذابح: “هو الذي سمّاكم المسلمين” وكفى لعبا ولهوا بمصير الأمة التي تواجه تحديات وجودية.. تولانا الله برحمته.
هوامش:
* انطلاقا من هنا، ومن أسباب أخرى كذلك، تلغى عملية القداسة لكلام الرجال مع كل التوقير لهم ولجهودهم الجبارة.. فلنا أن ننعم بأحسن ما فيها، ولسنا مجبرين على التمسك بما لا يفيدنا في زماننا المختلف في احتياجاته حيث اختلاف الأولويات واختلاف التحديات التي تستوجب نوعا آخر من الاجتهادات..