يسرقون.. ثم يتغافرون!
قاصد أسواق الماشية والخضر والفواكه، خلال الأيام الأخيرة التي سبقت العيد، مثلما تعوّد عليه الجزائريون، يحرّضه الجشع والطمع ومدّ الأيدي إلى الجيوب، على “نطح” الكباش، أو شنق نفسه فوق صناديق البطاطا و”اللفت” التي أصبحت هي الأخرى “بشلاغمها”!
قالوا إن قانون العرض والطلب وراء هذه الظاهرة، وإن المضاربين هم السبب.. لكن هل يُعقل أن هذا القانون التجاري يُوصل سعر اللفت إلى حدود الـ 250 دينار، للكيلوغرام طبعا، وليس للصندوق!
حاشا اللفت أو غيرها من الخضر والمواد الاستهلاكية الأخرى، مهما غلا ثمنها وخفّ وزنها، لكن في ما يبدو ثمّة حلقة مفقودة، ونقاط ظلّ، لا يفهمها سوى مجنون فقد عقله، بسبب تفسيرات هلامية، ومبررات لا يُمكنها إلاّ أن تقتل المستمع “ناقص عمر“!
عندما تغيب المراقبة وتنتحر آليات الحساب والعقاب، و“يتواطأ” بعض المكلفين بحماية المستهلك، وتـُكيّف القوانين بما يخدم هؤلاء المستنفعين، فمن الطبيعي أن يصبح سعر الخروف بسعر الجمل، وتصبح اللفت منافسة للموز، وتصبح البصلة التي جعل الخالق رأسها في الأرض أهم وأغلى من الرمّان وحتى أدوية المناعة!
الأكيد أن الفلاح والموال البسيطين بريآن من هذه “الجريمة” التي تستهدف جيوب الأغلبية المسحوقة من الجزائريين، وتضرب القدرة الشرائية في العُمق، وتتربّص أيضا باستقرار الشارع وطمأنينة المواطنين وسيادتهم على أجورهم ورزقهم ولقمة عيشهم!
ليس غريبا لو نطق غاضب واتهم المضاربين و“الحشاشين” والوسطاء بتجويع الجزائريين، وتهديد النظام العام.. فمثل هذه الممارسات الوحشية ليس بوسعها إلاّ أن تهزّ الثقة وتعصف بقدرة الجهات المكلفة بتأمين الأسعار ومراقبة الأسواق على قطف الروس التي أينعت وحان وقت قطافها، حتى لا يتحوّل سوق الكباش والخضر إلى “أكبر حزب” يهزّ السلم الاجتماعي!
لا طائل من الاستمرار في توجيه أصابع الاتهام إلى المستهلكين، ولا معنى لمسح “الموس” في قانون العرض والطلب، ولا تفسير للتشابك والتراشق بالتهم بين وزارتي التجارة والفلاحة، سوى أن “أشباحا” تسيطر على الأسواق وبالتالي تتحكّم في أرزاق الجزائريين وتـُطعمهم مثلما تشاء!
مصيبتنا أن الجزّار والخضار “يمرمدان” بائع الملابس وتاجر الأضاحي في رمضان، على سبيل المثال، والموّال يسحق بائع الملابس والخضار والجزار في عيد الأضحى، وبائع الملابس يعبث بكلّ هؤلاء في عيد الفطر، والميكانيكي والبناء والسبّاك والدهان، وغيرهم، ينتقمون من أولئك، في العسر واليّسر.. هذا يغرف من هذا، وذاك “يذبح” ذاك.. يسرقون ويشتكون ويبررون، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، وبأي حال عدت يا عيد؟