الرأي

يضحّون بدنياهم.. ونضحّي بديننا!

سلطان بركاني
  • 562
  • 0

ها هو عداد أيام المحنة يصل إلى اليوم العشرين بعد المائتين من العدوان الصهيونيّ على قطاع غزّة، وها نحن معشر المسلمين لا نملك إلا أن نتابع بقلوبنا وأعيننا فصلا جديدا من فصول الحرب الهمجيّة على القطاع، مع العدوان الغاشم على رفح الذي يجري على مرأى ومسمع 57 دولة مسلمة لم تستطع أن تجتمع لتنصر المسلمين في غزّة، بل لم تستطع أن تجتمع لتقاطع الصهاينة، أو توقف النّفط عن الدّول التي تدعم مجرمي العالم كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا!

أخلدنا إلى الأرض، ورضينا بالحياة الدّنيا من الآخرة، وانشغلنا بهمومنا الخاصّة؛ بالرواتب والعلاوات والزيادات والأسعار عن المأساة التي يعيشها إخواننا المسلمون في فلسطين.. اخترنا العاجلة على الآجلة وآثرنا الفاني على الباقي، وغدَا حقيقا بنا أن نخشى من أن يحيق بنا ما توعّد به الحقّ -سبحانه- المخلِدين إلى الأرض في زمن التّدافع، حينما قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ* إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

لولا أنّ الله قضى أن تبقى طائفة من عباده صامدة صابرة تقارع الأعداء حتى يأتي أمره، لما بقيت للدين ولا للمقدّسات باقية.. عبادٌ مسلمون مؤمنون يجاهدون في سبيل الله لا يضرّهم من خذلهم ولا من خانهم ولا من خالفهم.. سبعة أشهر وهم صامدون رغم الحصار ورغم تحالف العالم كلّه بعربه وعجمه عليهم.. سبعة أشهر لم يلينوا ولم يستكينوا ولم يستسلموا.. كان في إمكانهم أن يخضعوا للمساومات والإغراءات ويضعوا أسلحتهم، لكنّهم أبوا أن يبيعوا دينهم بعرض من الدّنيا قليل أو كثير.. ربّما قليل منّا من يعلمون أنّ إخواننا في حركة المقاومة الإسلامية حماس تلقوا عرضا مغريا بأن يتحوّل قطاع غزّة إلى جنّة على الأرض، إلى دبي ثانية، فيه المطارات والموانئ والشركات الكبرى، وأن توضع ملايير الدولارات في حسابات قادة حماس العسكريين والمدنيين، مقابل أن تضع كتائب القسام سلاحها ويتمّ حلّها، وتتحوّل حماس إلى حزب سياسي مقطوع الصلة بالمقاومة.. إخواننا رفضوا هذا العرض من دون أيّ تردّد أو تفكير، لأنّهم يدركون جيّدا أنّهم ليسوا هناك ليعيشوا الدّنيا، وإنّما ليحفظوا الدّين، ويحظوا بشرف الدّفاع عن بيت المقدس وإبقاء راية الجهاد عالية في آخر الزّمان. فلله درّهم ثبّتهم الله وأعانهم. نحسبهم ممّن قال الله فيهم: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).

ولنا أن نقارن هذا الثبات الذي ينافس رسوخ الجبال، بواقع وحال بعض دول المسلمين التي تبذل ملايير الدولارات للقضاء على المجاهدين في قطاع العزّة، وتقدّم الملايير للصهاينة حتى لا يوقفوا حربهم على القطاع.. من كان يتوقّع أن يصل الأمر بدولة تحسب ضمن دول المسلمين إلى عرض ملايير الدولارات على جنوب أفريقيا التي تصنف دولة نصرانية كافرة، لتسحب جنوب أفريقيا الدعوى القضائية التي رفعتها على الصهاينة أمام محكمة العدل؟!

نحن عامّة المسلمين أيضا، لنا نصيب وافر من خذلان إخواننا المرابطين الذين رفضوا الإغراءات ليتخلوا عن قضيتهم وقضيتنا.. نحن بدورنا خذلنا إخواننا حين أخلدنا إلى الدّنيا وتركناها تأسر قلوبنا وتلعب بنا كما يلعب الصبيان بالكرة! ولعل بالمثال يتّضح المقال: قبل أيام قليلة، في أمسية الأربعاء الماضي، كانت قلوب كثير من شبابنا تخفق بشدّة ترقبا لما تسفر عنه مباراة ريال مدريد مع بايرن ميونيخ، وفي وقت المباراة امتلأت المقاهي وارتفعت الهتافات، ليخرج مشجو الريال بعدها فرحين يهتفون ويقفزون، وكأنّ الفوز يعنيهم أو أنّ الريال يمثّلهم ويمثّل أمّتهم، أو أنّ هذا النادي سيقاسمهم بعض أرباحه!

يحدث هذا في الوقت الذي اعتصم فيه الأساتذة والطلبة في عشرات الجامعات الغربية تنديدا بالهمجية الصهيونية ضدّ الفلسطينيين؛ في أمريكا وفرنسا وهولندا وكندا وأستراليا وسويسرا والمكسيك.. وفي إسبانيا التي فرح شابنا بفوز ناديها لكرة القدم، هناك ما لا يقلّ عن 50 جامعة بينها جامعة برشلونة، قطعت علاقاتها بالجامعات الصهيونية.

نحن الشعوب المسلمة نتحمّل بدورنا مسؤولية ما يحصل لإخواننا في غزّة، لأنّنا شغلنا عنهم بالدنيا، وما عاد نصيبهم من حياتنا غير كلماتِ حسرة نردّدها ثمّ نعود إلى دنيانا لنواصل لهونا ولعبنا، ونستمرّ في النّوم عن الصلوات وأكل الحرام، وفي معاداة بعضنا لبعض لأجل لعاعة الدّنيا.. حتى بعض المتديّنين بيننا انشغلوا بالتثبيط عن نصرة إخوانهم بحجج شتى يزيّنها لهم الشّيطان: “هؤلاء مبتدعة، هؤلاء يعينهم المبتدعة” (!) في الوقت الذي بدأ فيه اليهود المتديّنون انضمامهم إلى الجيش الصهيونيّ لحربنا.. قبل أيام قليلة أعلن وزير الأمن القومي الصهيونيّ، ابن غفير، عن تأسيس “أوّل سرية من اليهود المتدينين الحريديم في شرطة حرس الحدود”! متديّنوهم يتوحّدون لحربنا، وبعض المتديّنين عندنا يطعنون في المجاهدين!

إنّها مصيبة عظيمة أن يزداد انقسامنا وتفرّقنا وحرصنا على الدّنيا وتنافسنا فيها، في الوقت الذي يتداعى فيه الكافرون والمنافقون ليقضوا على الإسلام.. لقد صدق فينا ما أخبر عنه صحابيّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كعب بن ماتع الحميري، حين قال: “لتحببن إليكم الدنيا حتى تتعبدوا لها ولأهلها، وليأتينكم زمان تكره فيه الموعظة، وحتى يختفي المؤمن بإيمانه كما يختفي الفاجر بفجوره، وحتى يعير المؤمن بإيمانه كما يعير الفاجر بفجوره” (ابن أبي الدنيا في الزهد).

مقالات ذات صلة