الرأي

يوم أسود آخر في حياة نتنياهو

حسين لقرع
  • 1430
  • 0

أخيرا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكّرتي توقيف بحقّ رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع المقال يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية.. صحيح أنّ قرار المحكمة قد تأخّر كثيرا، لكنّ أن تأتي متأخّرا خير من أن لا تأتي أبدا.
بكلّ المقاييس، القرار تاريخيّ وانتصار قانوني وسياسي للفلسطينيين المضطهدين، وجرعة معنوية إضافية لمقاومتهم الباسلة التي لا تزال تخوض معارك ملحمية في شمال غزة وتكبّد العدوّ هناك خسائر يومية فادحة، وبالمقابل، هو هزيمة قانونية وأخلاقية وسياسية مدوّية للاحتلال؛ فكبار قادته متّهمون الآن بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وباتوا مطاردين في 124 دولة، وحتى باقي الدول غير الموقّعة على اتّفاق روما، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، يمكنهم تطبيق قرار المحكمة وتسليم نتنياهو وغالانت إليها في حال دخلا أراضيها، ما يعني أنّ هذين المجرمين محكوم عليهما بالعزلة وسيقضيان بقيّة حياتهما خائفين مذعورين مقيّدي الحركة، وكفى بها نهاية مذلّة.
نقطة إيجابية أخرى في هذا القرار، وهو أنّه يفتح المجال واسعا لصدور مذكّرات توقيف أخرى بحقّ مئات الضباط والجنود الذين شاركوا في جرائم الحرب، تخطيطا وتوجيها وتنفيذا، ومنهم هاليفي وكبار الجنرالات طيلة 13 شهرا ونصف شهر من الحرب، وحتى جنرالات الاحتياط الذين يمكن اتهامهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في شمال غزة، وفي مقدّمتهم الجنرال آيلاند، من خلال وضعهم “خطة الجنرالات” التي يتعرّض بسببها عشرات الآلاف من الفلسطينيين لجرائم إبادة وتطهير عرقي وتجويع جهنمي منذ 6 أكتوبر 2024 إلى اليوم، إضافة إلى مئات الجنود الذين ارتكبوا جرائم بشعة في غزة وبثّوا بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي بالصورة والصوت للتباهي وكذا التشفّي في الفلسطينيين.
قرار المحكمة الجنائية الدولية هو أيضا انتصار كبير للسردية الفلسطينية التي طالما اتهمت الاحتلال بارتكاب مجازر متعمّدة بحقّ النساء والأطفال، وتجويعهم، وكذا التطهير العرقي للسكان… وبالمقابل، هو هزيمة حاسمة ونهائية للسّردية الصهيونية التي كانت تبرّر مجازرها المتواصلة طيلة 13 شهرا بـ”حقّها في الدفاع عن النفس”، وهو إدانة صريحة لقادة الاحتلال الذين أمعنوا في قتل الفلسطينيين وتدمير غزة انتقاما مما حدث في 7 أكتوبر، ويأتي للتأكيد أنّ عهد إفلات الصهاينة من العقاب قد انتهى، صحيح أنّ القرار قد لا يجد طريقه للتنفيذ، لكنّ تقييد حركة كبار المجرمين الصهاينة هو عقاب في حدّ ذاته.
طالما انتقدنا الصّمت الدولي المفضوح إزاء المجازر اليوميّة الوحشية التي كانت -ولا تزال- ترتكب في غزة، وقلنا إنها نوع من التواطؤ المخزي الذي ينسف أيّ مصداقية للقانون الدولي الذي وضعته دول الغرب بنفسها، لكنّ صدور قرار الجنائية الدولية الخميس 21 نوفمبر 2024 يعدّ خطوة لإعادة الاعتبار للعدالة الدولية، نأمل فقط أن تقتفي محكمة العدل الدولية بلاهاي أثر المحكمة الجنائية وتسرع بدورها في إصدار قرارها بخصوص دعوى جنوب إفريقيا التي تتّهم الاحتلال بارتكاب جرائم إبادة شاملة في غزة، فذلك أدعى إلى تعزيز العدالة الدولية وإنهاء عهد حصانة الكيان الصهيوني وإفلاته من العقاب بحماية أمريكية مخزية.
وإذا كانت معظم الدول الأوروبية قد رحّبت بقرار الجنائية الدولية وتعهّدت بتطبيقه، باستثناء ألمانيا والنمسا والمجر التي انحازت للاحتلال، فإننا نأمل أيضا أن تبادر هذه الدول إلى حظر توريد الأسلحة للكيان، بعد اتّهامه باستعمالها لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية.
بقي فقط أن نعرف موقف الدول العربية المطبّعة التي لا تزال تقيم علاقات كاملة مع الاحتلال.. نتنياهو أصبح مجرم حرب، فهل تواصل علاقاتها مع مجرم حرب أصبح منبوذا عالميّا؟ أم تراجع نفسها وتقطع علاقاتها معه حفظا لماء الوجه؟ وهل تنفّذ قرار الجنائية الدولية وتعتقله إذا زارها أم تفرش له السجّاد الأحمر؟
في جميع الأحوال، تحيّة لكريم خان، المدّعي العام للجنائية الدولية الذي قاوم ضغوطا أمريكية وغربية وصهيونية شديدة طيلة أشهر عديدة، صاحبتها تهديدات واضحة وتلفيق تهم لابتزازه ومساومته على موقفه، لكنّه أصرّ على إصدار مذكّرتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، ولم يهدأ له بال حتى أصدرتهما المحكمة، وهذا موقف عظيم سيسجّله له التاريخ بأحرف من ذهب.
ونودّ أن نضيف أخيرا أنّ حرب غزة قد ارتقى فيها هنيّة والسّنوار شهيدين ورمزين عظيمين للأمة، لكنّها حوّلت نتنياهو وغالانت إلى مجرمي حرب منبوذين خائفين بقيّة حياتهما، بعد أن صدرت بحقّهما مذكّرتا توقيف دوليتان في يوم هو الأشدّ سوادا في حياتهما بعد يوم 7 أكتوبر المجيد، وهذا هو الفرق بين العظماء والمجرمين.

مقالات ذات صلة