ڤوارديولا.. الموهبة أو الحظ
توج بايرن ميونيخ بطلا للدوري الألماني لكرة القدم، قبل أربع جولات عن نهايته.. واحتفظ الفريق باللقب للعام الثالث على التوالي.. وهي المرة الثانية مع مديره الفني الإسباني بيب غوارديولا، الذي تولى قيادة الفريق صيف 2014 .. وهو اللقب الخامس لغوارديولا مع البايرن في أقل من موسمين، إثر التتويج بالدوري مرتين وكأس أندية العالم وكأس السوبر الأوروبية بالإضافة لكأس ألمانيا السابقة.. ولا تزال الفرصة متاحة أمامه للمنافسة على لقب دوري أبطال أوروبا (يلتقي فى نصف النهائي مع منافسه الأكبر برشلونة وهو النادي الأسبق لغوارديولا لاعبا ومدربا).. والمنافسة على كأس ألمانيا (يلتقي في نصف النهائي مع بوريسيا دورتموند).. وهناك في الآفاق كأس السوبر الألمانية وألقاب أخرى ترتبط بمدى توفيقه في دوري الأبطال.
غوارديولا يمتلك رصيدا زاخرا من الألقاب أيضا خلال فترة تدريبه لبرشلونة، ليصبح المدرب الأكثر تتويجا في أقل زمن ممكن.. وهو في الرابعة والأربعين من عمره، واحدا بين أصغر المديرين الفنيين في العالم بين مدربي الفرق والأندية الكبرى.
غوارديولا ظاهرة تستحق الدراسة، ما هو سر تفوقه الفريد وألقابه المتتالية؟
هل موهوب إلى درجة تفوق العملاقين فينغر ومورينيو وغيرهما؟أم إنه محظوظ إلى حد تدفق البطولات عليه دون أي جهد؟ وهل الأمر يرتبط باختياره الأندية العملاقة لتدريبها.. وتصبح جهوده غير مؤثرة لأن تلك الأندية تفوز بالألقاب مع كل المدربين؟
غوارديولا.. المدرب الأكثر طلبا في العالم الآن.. وهو بالطبع من بين الأغلى سعرا
أرى شخصيا أن غوارديولا يجمع بين الأمور الثلاثة.. فهو موهوب ومحظوظ وبارع في اختيار الأندية التي يدربها وبارع في اختيار توقيت مغادرتها.
ويمكنني أن أبدأ تحليلي لعمله بالإشارة إلى إنجاز عالمي فريد بل وغير مسبوق، والغريب أن ذلك الجانب لم يتعرض له كثيرون.. وهو أنه البطل الحقيقي لبطولتي كأس العالم الأخيرتين في جنوب إفريقيا والبرازيل، رغم عدم تواجده فيهما على الإطلاق.. وهو قاد الناديين اللذين منحا بلديهما العمود الفقري للمنتخبين اللذين توجا بطلين لكأس العالم في الدورتين الأخيرتين.. واعتمد منتخب إسبانيا مع مديره الفني ديل بوسكي على غالبية نجوم برشلونة (الذين أعدهم وقدمهم غوارديولا) في التشكيلة التي اكتسحت مونديال 2010.. ثم تكرر الأمر في المونديال التالي 2014 في البرازيل واعتمد المدرب الألماني يواخيم لوف على غالبية نجوم بايرن ميونيخ (الذين أعدهم وقدمهم غوارديولا) في تشكيلته التي تربعت على عرش العالم.
ونتحول إلى الجانبين الإداري والفني وهما يرتبطان بشخصيته أولا، وقدراته وعلمه وإمكاناته ثانيا.. ويمتلك غوارديولا شخصية قوية تجبر كل اللاعبين على طاعته واحترامه مهما ارتفع قدرهم من شهرة ومهارات.. ولعل ذلك واضح في الفترة التي تولى تدريب برشلونة، وهو متخم بنجوم منتخب إسبانيا أبطال مونديال 2010 ومعهم ميسي.. ثم قيادة نجوم البايرن روبين الهولندي وريبيري الفرنسي وليفاندوفسكي البولوني وتشابي ألونزو الاسباني ونخبة المنتخب الألماني المونديالي.. ولم يسمع أحد مطلقا أي خبر أو حتى شائعة عن خلافات عنيفة بين غوارديولا ولاعبيه.. ولم يخرج لاعب استبدله غوارديولا غاضبا ولم يعترض أي لاعب احتياطي على عدم اشتراكه.. وهي قدرة فائقة للمدرب على إقناع لاعبيه بأدوارهم المختلفة ومواعيد الاستفادة منهم.
أما على الجانب الفني والخططي فهو صاحب بصمة لا تخطئها عيون المشاهدين البسطاء قبل الخبراء في ملاعب كرة القدم.. ويمكننا أن نطلق عليه وبكل بساطة لقب (رائد مدرسة الاستحواذ في كرة القدم).. ولكنه لا يبحث عن أطول فترة من الاستحواذ لفريقه إلا من خلال أسلوبين مؤثرين وإيجابيين جدا وكلاهما يتطلب التزاما هائلا من لاعبيه، مع مجهود بدني فائق طوال زمن المباراة.. ويطالب غوارديولا لاعبيه بتنفيذ الضغط على منافسيهم في حالات عدم امتلاك الكرة مع تنفيذ الضغط الجماعي لحرمان منافسيه من الزمن والمساحة اللازمين لبناء هجماتهم.. أي أن ينفذ لاعبوه الضغط في مناطق منافسيه وبالقرب من مرمى المنافس وكذلك يبدأ الضغط فور فقدان الكرة دون أن يبحث أي لاعب عن تمركزه الطبيعي.. بل يبحث أولا عن قطع الكرة أو تضييق الخناق على منافسيه.
وعند الاستحواذ على الكرة يتحول الفريق إلى استغلال أكبر مساحة من الملعب، بالانتشار العرضي الواسع مع التمرير المتكرر لخلق المساحات وفتح الثغرات في دفاع منافسيه دون ملل خلال عمليات الاستحواذ.
ببساطة غوارديولا مدرب بارع في اختيار الأندية التي يدربها، ويسانده الحظ أحيانا، لكنه يستحق ما يناله لأنه أستاذ الاستحواذ الأول في كرة القدم.