الرأي

‬آه‮ ‬يا الخدّاعين‮!‬

جمال لعلامي
  • 2247
  • 7

فجأة نزل بقارعة الطريق عشرات العمال،‮ ‬تابعون للبلدية والدائر والولاية،‮ ‬ومعهم‮ “‬نات كوم‮” “‬واكسترا نات‮”‬،‮ ‬وشرعت هذه السيول البشرية في‮ ‬التنظيم ورفع القمامة وتزويق الأمكنة،‮ ‬وقد استبشر مواطنو هذه الجهة‮ “‬المحظوظة‮” ‬خيرا،‮ ‬وتمنوا لو تمّ‮ ‬تعميم هذه الحملة في‮ ‬سائر الأيام‮!‬

لكن،‮ ‬أحد الفضوليين تساءل بكل براءة‮: ‬ما بهم؟ ما الذي‮ ‬أصابهم؟ لماذا استيقظوا اليوم باكرا؟ من أمرهم بهذه المهمة العاجلة؟‮..‬ردّ‮ ‬عليه آخر‮: ‬في‮ ‬الأمر إن وأخواتها،‮ ‬فالظاهر والله أعلم،‮ ‬أن صحوة ضمير حتى وإن كانت متأخرة،‮ ‬أيقظت العزيمة في‮ ‬نفوس هؤلاء”الخدّامة‮” ‬ومن أرسلهم إلى هذه البقعة لتصحيح الوضع وإصلاح ما أفسده سوء التسيير‮!‬

لكن،‮ ‬تجري‮ ‬الرياح بما لا تشتهي‮ ‬السفن،‮ ‬فالقضية وما فيها،‮ ‬أن وزير في‮ ‬الحكومة،‮ ‬أبلغ‮ ‬المسؤولين المعنيين،‮ ‬بإجرائه لزيارة عمل وتفقد لقطاعه بهذه المنطقة في‮ ‬العاصمة،‮ ‬فنقل إليهم الرعب،‮ ‬وأجبرهم على إنجاز خلال بضعة ساعات في‮ ‬ما لم‮ ‬يُنجز خلال أشهر وربما سنوات‮!‬

هذه‮ ‬يا جماعة الخير،‮ ‬مصيبة المصائب‮: ‬غشّ‮ ‬وخداع وتدليس وتزوير للواقع و”هفّ‮” ‬وتغطية للشمس بالغربال،‮ ‬وبيركولاج وماكياج،‮ ‬فلا حول ولا قوّة إلاّ‮ ‬بالله العليّ‮ ‬العظيم من الغشّاشين والخدّاعين‮!‬

ألم‮ ‬يكن بإمكان من أوفد هؤلاء العمال المساكين،‮ ‬أن‮ ‬يُوفدهم لتلك المهمة وغيرها،‮ ‬دون أن‮ ‬يتعلق الأمر بزيارة رئيس أو وزير؟ وألم‮ ‬يكن بوسع هذا الوزير أن‮ ‬يقوم بزيارة تفتيشية رسمية بطريقة سرية،‮ ‬حتى‮ ‬يفضح المستور،‮ ‬ويرى الحقيقة كما هي،‮ ‬فيسهل عليه الحساب ويكون العقاب مبرّرا؟

يستحيل أن نتقدّم خطوة إلى الأمام إذا استمرّ‮ ‬هكذا الوضع على ما هو عليه،‮ ‬وبنطق الستر والتستـّر و”التبلعيط‮”‬،‮ ‬مثلما لن تفيدنا أبدا عقلية التدشينات والزيارات الفلكلورية،‮ ‬التي‮ ‬تبدأ بالتمر والحليب،‮ ‬وتنتهي‮ ‬بمشاريع وهمية وبرامج افتراضية لا وجود لها سوى حجر الأساس‮!‬

المشكل،‮ ‬لا‮ ‬يخصّ‮ ‬الوزير فقط،‮ ‬الذي‮ ‬سبّق زيارته بإرسال‮ “‬البرّاح‮”‬،‮ ‬وإنـّما هي‮ ‬أيضا مشكلة الوالي‮ ‬ورئيس الدائرة والنائب والمير والمجتمع المدني‮ ‬والمواطن البسيط،‮ ‬الذي‮ ‬يتواطأ في‮ ‬تعليب مثل هذه الأفعال المشينة،‮ ‬التي‮ ‬لن تزيد إلاّ‮ ‬تعفينا للوضع وتنقلنا جميعا من السيّئ إلى الأسوأ‮!‬

 

لقد تعبت البلاد ومعها العباد من سرطان التزييف والتغليف و”التعليف‮”‬،‮ ‬وتعبنا جميعا من منطق‮ “‬أفونسي‮ ‬ألاريار‮” ‬أو التقدم نحو الخلف،‮ ‬أو الصعود نحو الأسفل،‮ ‬والمسؤولية مشتركة،‮ ‬بما تسبّب في‮ ‬تأجيل كل شيئ وتسويد كلّ‮ ‬أبيض،‮ ‬ونشر اليأس وصناعة الإحباط‮..”‬مأساة وطنية‮” ‬تعمّقت بتورط الجميع في‮ ‬تفريخ هذا”الهفّ‮” ‬الذي‮ ‬يضربنا بـ”الكفّ‮”!‬

مقالات ذات صلة