.. راهم يقولوا!
استوقفني الدكتور محيي الدين عميمور، عندما أكد بشأن التلاسن بين بعض المجاهدين و”كبار الدوّار”، في ما معناه، أن كتابة التاريخ وأحداثه لا تكون على قارعة الطريق، ويجب أن يلتزم جميع المجاهدين بالانضباط، حتى لا يُفتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ أن يكتب وينصب ويحلب!
فعلا، “قارعة الطريق”، هي التي أصابتنا في مقتل، وهي التي جعلت من “كلام القهاوي” مصدرا موثوقا ومطلعا ورسميا ومقربا ومأذونا ومتطابقا، لكلّ ما قيل ويُقال.. وأتذكـّر يوما، أن شيخا حكيما روى لصديقه الشيخ الذي لا يقلّ حكمة ودهاء منه، معلومة، لكنه سرعان ما نسبها إلى غيره وتبرأ منها فقال: “راهم يقولوا”، أو “داروها في الجرنان”!
الكتابة والقراءة والترويج للأخبار والمعلومات والذكريات والمذكرات والشهادات والاعترافات، على قارعة الطريق، تبقى بعيدة عن الثقة والمصداقية والنزاهة حتى وإن كانت حقا وحقيقة، لأنها لم تسلط القنوات الطبيعية والصحية لضمان شفافيتها وصدقها!
قارعة الطريق هي “راديو طروطوار”، أو بالعربي الفصيح “إذاعة الرصيف”، أو بالجمع والتجميع “إذاعات الأرصفة”.. تحوّلت إلى مرجع للخبر اليقين، في كثير من المراحل والمحطات، خاصة عندما كانت تغيب “المصادر الرسمية” وتنام وتختفي وتضرب عن الكلام!
هذه الطريقة والوسيلة المتاحة في نشر “الأخبار العاجلة”، كانت أرضية خصبة وقاعدة خلفية أيضا لإنتاش وإنعاش الإشاعات والدعايات المغرضة والأكاذيب، بما تسبّب في تغليط الرأي العام وتضليله، بالتهويل والتهوين والتقليل والتضخيم والتعويم والتعتيم والتنويم!
أصل قارعة الطريق هو في الغالب للسير والمسير، وأحيانا للتسكـّع، ومرّات للشجار و”التكسار”. ولذلك صدق الدكتور عميمور، صاحب رائعة “الموسطاش”، عندما ينصح بإبعاد تأريخ أحداث الثورة التحريرية عن جدال وسجال “قارعة الطريق”، التي يعبرها كلّ من هبّ ودبّ!
يجب القول بأن الجامعة والمدرسة وصالونات النخبة، لم تعد بالوزن والعُمق والاهتمام والتأثير والنفوذ، الذي كانت به في الزمن الجميل، وإلى أن يثبت العكس، لم نعد نسمع عن مؤرخين وباحثين وطلبة جامعيين، يُطاردون ظلّ “بقايا” العلب السوداء وسط المجاهدين، الأحياء منهم والأموات، من أجل كتابة صادقة وهادفة للتاريخ!
لا يُمكن لهؤلاء وأولئك أن يلوموا الإعلاميين إذا هم قدّموا شهادات تاريخية في صحن “الإثارة والتشويق”.. فالسبب والهدف والمبرّر واحد، لكن طريقة “العرض” تختلف من فنان إلى فنان!