رقم أخضر..
هل تقف محاربة الفساد عند رفع رئيس الجمهورية ليده عن شكيب خليل، البريء رسميا إلى حد الآن من شبه الفساد، في انتظار تقدير غرفة الاتهام، وعند إعطاء الضوء الأخضر للعدالة للضرب بيد من حديد كل فاسد أو مروج للفساد، كتعبير عن إرادة سياسية حقيقية؟
يبدو أن قرار الرئيس في رسالته بمناسبة ذكرى تأميم المحروقات، واتخاذ تيڤنتورين منصة لإعلان الانتصار والتحدي، بعدما ناورت جهات لا تريد الخير للجزائر لاستعمال هذا الصرح النفطي لضربها في الصميم وإغراقها في أزمة ثقة دولية، لن تطوي ممارسات الفساد، بعدما أضحت جزءا من يومياتنا، من أخلاقنا المعلنة، من الهواء الذي نتنفسه، من كل رشفة نرتشفها في مقاهينا، وكل ملف “طلب” يودع في إداراتنا، وأصبحت قضايا الفساد تستنسخ، فبعد سوناطراك1، وسوناطراك 2، سوناطراك 3 ستأتي دون شك، وترتيب الجزائر سيتراجع إلى ما بعد 112 عالميا و13 عربيا، ويبقى وصف قسنطيني، انطلاقا من موقعه في اللجنة الاستشارية الوطنية لحماية وترقية حقوق الإنسان، للفساد بتحوله إلى رياضة أفضل تعبير دق لناقوس خطر يصم الآذان..
المطلوب وعلى العاجل، تحرير آليات المراقبة من القيود والمكابح الذاتية التي أدمجت فيها، بحسن نية أو بسوئها، ومن الوصاية القاتلة للإدارات العمومية، لتصبح معها هيكلا بلا روح يصعب أن تتحرك من تلقاء نفسها وبفاعلية وفي كل الملفات المطروحة، وهذا حال المجلس الشعبي الوطني، مجلس المحاسبة، المفتشية العامة للمالية، العدالة، ديوان قمع الفساد، لجنة الاستعلامات المالية، الهيئة الحكومية من أجل الوقاية من الفساد ومكافحته، وغيرها.
ولعل أكبر إجراء يحرر ويفعل آليات المراقبة هو تأمين تطبيق قانون محاربة الفساد، من خلال ضمان حماية المبلّغ عن الفساد، شاهدا أو ضحية، سواء كان شخصا أم جهة، من قبل الشخص أو الجهة المتهمة والمتورطة، أو من قبل الجهة المعنية بالمراقبة المستقبلة للبلاغ، التي يقع عليها التأكد من صحة وجدوى أي بلاغ بعيدا عن أي تشنج أو رد فعل عكسي.
كما أن محاربة اختراق المال السياسي الفاسد للمجالس المنتخبة يعتبر أمرا مستعجلا، ونخشى أن تتحول هذه الهيئات، وفي مقدمتها المجلس الشعبي الوطني، أكبر مؤسسة رقابة شعبية، إلى فضاء يحتضن ويحمي ممارسة الفساد، بعدما تحولت الشكارة إلى معيار للتزكية، تختلف درجة انتفاخها حسب الترتيب أو طبيعة المركز المتنافس عليه، خاصة وأن صراخ الساسة وتحذيراتهم ظلت دون جدوى، لا سيما وأنها تأتي من رؤساء أحزاب كبيرة وفاعلة.
المطلوب أيضا هو تحرير آليات المراقبة محلية الابتكار أو المستوردة من تجارب الآخرين كجزء من المنظومة التشريعية من القيود التي عادة ما يقحمها المشرع عندنا، ما يفرغها من محتواها، مثل القدرة على الإخطار التي عادة ما تكون غير مفتوحة وتقتصر على جهات محددة، أو عدم متابعة التقارير ومعاينات لجان تحقيق شكلت على مختلف المستويات تثير سلبيات خطيرة مسجلة هنا وهناك، فضلا عن تطبيق مبدإ التصريح بالممتلكات وقانون الصفقات بشكل جدي بما يؤدي معناه.
المطلوب، وكأضعف الأيمان، اعتماد رقم أخضر، على غرار الأرقام الخضراء المتعلقة بقضايا الاختطاف، تعنيف الطفولة، المرأة، الإرهاب، وغيرها، والتي أثبتت نجاعتها، وربط الهيئات الرسمية بالمواطن البسيط بعيدا عن جسور الإدارة الملتوية.