صناعة الموت!
المأساة الإنسانية التي عرفها ملعب 5 جويلية، إثر وفاة شابين مناصرين بريئين- رحمة الله عليهما- عليها أن لا تتوقف عند الوعود والعهود، والبحث عن “القمل في راس الفرطاس”، وتبرير ما لا يبرّر، والبحث عن كبش فداء لمسح الموسى في “هيدورته”، وإنّما المطلوب هو تحمّل المسؤولية من طرف الجهة أو الجهات التي عليها أن تتحمّل المسؤولية!
إن ما حدث بملعب 5 جويلية، الذي كتب عنه الفايسبوكيون بالقول، إنه صرح تحوّل من المفخرة على المسخرة إلى المقبرة، بوسعه أن ينقل الرعب إلى آلاف المناصرين، ومنهم آلاف العائلات الجزائرية، فوفاة شابين بريئين من المناصرين، قد تكون البداية فقط وليس النهاية، ما لم تتخذ الإجراءات الرادعة لوقف مثل هكذا مسلسلات دراماتيكية!
قد يكون ما حدث، “فضيحة بجلاجل” لقطاع الشباب والرياضة، وقد يكون “بهدلة” لمركب محمد بوضياف أو ملعب 5 جويلية، وقد يكون دليلا على الغشّ والتدليس الذي بُني به الملعب، وقد يكون مؤشرا على الإهمال واللامبالاة وعدم الالتزام بشروط الصيانة ومتابعة البنايات بعد تسليمها!
مهما كانت الأسباب والمبررات، فمن المفيد معاقبة المتسببين دون رحمة ولا شفقة، والابتعاد قدر المستطاع عن فنون تغطية الشمس بالغربال، وتبرئة المتورطين وتوريط الأبرياء، أو البحث عن الحلقة الضعيفة لتحميلها ما لا طاقة لها به، وذلك طبعا بعد وقوع الفأس على الرأس!
رحم الله الضحيتين وأسكنهما فسيح جناته وألهم ذويهما جميل الصبر والسلوان.. لكن إلى متى تستمر المآسي التي لا يجب تحميلها في كلّ مرّة للقضاء والقدر ومشيئة الله وإرادته، لأن التسيّب والفوضى واللاعقاب وعدم المراقبة والمحاسبة، فرّخ النصب والاحتيال وشجع على التمادي في خرق القانون وانتهاك الأخلاق!
نعم، إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن أليست مثل هذه الحوادث القاتلة، عليها أن توقظ الضمائر وتـُلهب العواطف وتفرض العودة إلى تطبيق القانون على حوت القرش قبل سمك الشبوط؟ أوليس مثل هذه الحوادث مدعاة أخرى لصناعة اليأس والقنوط وإنتاج أسباب الغضب؟
ما جرى في ملعب 5 جويلية، يجري أيضا مرارا وتكرارا عبر طرقات “الموت”، حيث أصبح الغشّ والتدليس يقتل الأرواح قبل أن يتسبب في ذلك السرعة المفرطة وعدم احترام قوانين المرور أو “شراء” رخص السياقة، وما إلى ذلك، من مبرّرات لا تتحمّل وحدها أسباب المأساة!
مثل هذه التجاوزات غير القانونية، هي التي قتلت أيضا المئات من المواطنين في زلزال العاصمة وبومرداس، حيث كشفت الهزة الأرضية بنايات الموت التي شيّدها مقاولون بالغش والمخادعة وبإسمنت مغشوش وطريقة بناء تكفر بالمقاييس العالمية في مجال العمران والمدينة!
..الأعمار بيد الله، لكن “قتل” الأبرياء بالنصب والاحتيال، ومع سبق الإصرار والترصّد، عليه أن يتوقف، حتى لا يتحوّل الموت إلى “صناعة” والعياذ بالله، عبر الملاعب والطرقات والمساكن والشوارع ووسائل النقل والأسواق، وفي ذلك فليتنافس “الـّي ما يخافوش ربـّي”!
لا يجب السقوط في فخّ التهويل والإثارة، لكن لا يجب أيضا التقليل من حجم الكوارث التي تتسبّب فيها أيادي الإنسان، إمّا بسوء التسيير، وإمّا بعقلية “الجمونفوتيست” التي تقتل كلّ الجزائريين!