اللهم لا نسألك رد القضاء!
كلما عاد فصل الخريف وبعده الشتاء، عاد الهلع وسكن نفوس وبيوت المواطنين، خاصة منهم نزلاء البيوت الهشّة وتلك الآيلة إلى السقوط و”البرارك”. والخوف مردّه في أغلب الأحوال، إلى اقتراب “صلاحة النوادر” التي معها ذكريات أليمة ومأساوية في عدّة ولايات بما فيها العاصمة!
الحقيقة، أن العقليات البائدة والمتحجّرة في حاجة إلى “صلاحة نوادر” تجرف الحجر والشجر الذي يسكنها ويلطخها، وتحرّر البشر من سوء التسيير وقلـّة التدبير، الذي حوّل البلديات إلى شركات “صارل” ذات الشخص الوحيد أو شركة ذات أسهم!
ليس اختراعا، لو قال قائل، بأن المجالس “المخلية” أصبحت أضعف حلقة، وأن الأميار أصبحوا “المنشفة” التي يُمسح فيها العجز والفشل، في وقت من المفروض أن عمليات التطهير والتنظيف وتسليط المجاري والبالوعات، ليست من مهام وصلاحيات الهيئات المنتخبة فقط!
عقلية الاتكال والتسيّب واللامبالاة و”مسح الموس” في الآخر، هو الذي يُرعب الجزائريين قبل أن تنقل الفيضانات أو الكوارث الطبيعية الخوف إلى عامة الناس ممّن يدفعون فاتورة الفوضى والعشوائية!
نعم، المسؤولية مشتركة، فالذي يبني كوخه على ضفاف واد نائم- حتى وإن كان مضطرا إلى ذلك- من باب أن الحاجة أمّ الاختراع، فإنه مسؤول عما سيلحقه من مآس، بعدما ظل رهينة المثل القائل: “الواد مدّيه وهو يقول ما أحلى برودو”، مثله مثل ذلك الذي شيّد بيت أبنائه فوق رمال متحركة، متوهّما بأنه يقطن قصرا من قصور زمن المماليك!
قد يكون غياب الرقابة وتغييب المحاسبة والمعاقبة، وراء تنامي المخاطر الصغرى والكبرى، بما جعل أحياء وشوارع كاملة تغرق في مجرّد زخات من الأمطار، التي ينتظرها الفلاحون والمستهلكون طويلا، علها تكون رحمة، وإذا بها طوفان يُقابله الأبرياء بدعاء: “اللهمّ حوالينا ولا علينا”!
إن المشكل في مصالح البلديات، لكن هذه الأخيرة لا تتحمّل الوزر وحدها، فقد انتشر الإهمال وتحوّل من العدوى القاتلة إلى الفيروس العابر للولايات، ولذلك، لم تعد تنفع الحلول السهلة والمتسرّعة، ولم يعد ينفع أيضا البكاء على الأطلال، ولا التطعيم المتأخر ضد الكوليرا والطاعون وإيبولا وكورونا!
الطامة الكبرى، أن الكثير من المسؤولين والمواطنين والمكلفين بمهمة التصدّي للمخاطر الكبرى، لم يستفيدوا من المحن السابقة، ولهذا لا تنفع المواجهة، فبعد سقوط الفأس على الرأس، لا ينفع “لالكول” أو تخدير! ومع ذلك، اللهم لا نسألك ردّ القضاء وإنّما نسألك اللطف فيه.