عذبونا واغتصبوا نساءنا .. أنقذونا رئيسنا يقتلنا
“..كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي في كل مكان حتى كلب الحراسة قتلوه بالرصاص .. ثم قالوا لنا ستموتون مثل الكلاب .. سلب مجوهراتي ثم أطلق النار على زوجي، وقال لي عليك أن تدفعي فاتورة الثورة إذا أردتي رئيسا غير الأسد..
-
لم أفهم كلامه إلا وهو يحاصرني في زريبة الماشية طالبنا مني ..” هي جزء من شهادات حية لعائلات نجت من الموت لكنها لم تنجوا من الموت جوعا بلا ماء ولا طعام ولا حتى أين يستروا أنفسهم.
-
عندما طلب منا رئيس تحرير جريدة الشروق الاتجاه فورا إلى مخيمات اللاجئين السوريين بالحدود بين تركيا وسوريا كانت وقتها الطائرة قد أقلعت وكان علينا أن ننتظر اليوم الموالي، قبل أن نختار التنقل على متن حافلة من مدينة اسطنبول باتجاه إحدى المدن التي تقع فيها مخيمات اللاجئين السوريين.
-
-
-
17 ساعة للوصول إلى أنطاكيا
-
كانت الساعة تشير إلى الخامسة صباحا، حسب توقيت مدينة اسطنبول، كانت كلما تمر ساعة كنا نسأل سائق الحافلة هذه أنطاكيا، وكان يكتفي الرد علينا بالإشارة، كل مدينة كانت تختلف عن أخرى وكنا كلما نقترب من أنطاكيا تقل عدد البنايات حتى وصلنا إلى مدينة شبه صحراوية، قالوا لنا إنها أنطاكيا، وكانت وقتها قد مرت 17 ساعة كاملة، الليل خيّم على المدينة وقلّت الحركة وبدا الجو باردا جدا.
-
وكان علينا أن نبحث عن سيارة ولأن الأتراك لا يحسنون لغة أخرى غير التركية اللهم بعض الكلمات بالانجليزية، طلبنا من أحد الأتراك من يحسن الحديث باللغة الإنجليزية أن يكتب لنا مركز اللاجئيين السوريين باللغة التركية حتى يسهل علينا المهمة.
-
كل واحد نسأله عن العنوان إلا ويعتقد أننا سوريين نبحث عن ذوينا، إلى أن وجدنا سائقا طلب منا 40 أورو على أن يقلنا إلا المكان بالضبط.
-
ونحن في الطريق إلى مركز اللاجئيين أخبرنا سائق السيارة وهو مسيحي الديانة أنهم سيمنعوننا من الوصول لأن قبل يومين فقط قام بنقل فريق قناة فرنسية ثم عادوا أدراجهم معه.
-
عندما وصلنا المكان المقصود كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشر ليلا بدت نقاط أضواء الحراسة من بعيد، في إحدى نقاط التفتيش طلب منا النزول من السيارة وتقديم وثائقنا وجوازات سفرنا ولأننا تركنا هذه الأخيرة في فندق اسطنبول واجهنا صعوبات كبيرة في التواصل مع المسؤوليين، فلم يكن معنا سوى وثيقة اعتماد من الجريدة وبطاقة هويتنا ولم يكن الدركي التركي يحسن لغة أخرى غير التركية، طلب منا التوقف للتحدث مع زملائه، أخذ معه وثائقنا، ولم يعد إلا بعد 20 دقيقة، جاء بعدها بدركي يحسن قليلا الحديث باللغة العربية قال لنا إن التحضير جاري لأجل زيارة سيقوم بها وزير الخارجية التركي “أحمد داود أوغلو” إلى تلك المخيمات، حيث كان كل شيئ مغلق ولا يسمح بالمرور لأي كان، لهذا لا يمكننا الدخول ولا حتى التصوير كان وقتها آذان فجر أنطاكيا يرفع على مسامعنا.
-
-
وأخيرا .. الشروق وسط اللاجئين السوريين
-
اقتربنا من مركز كتب عليه باللغة العربية إدارة وضع الطوارئ، طلبنا منهم السماح لنا بالدخول إلى بعض المخيمات غير أنهم رفضوا وكان في كل مرة يطلبون منا جلب ترخيص من المركز في أنقرة، غير أنهم قدموا لنا بعض المعلومات التي تشير إلى نزوح نحو 9000 نازح إلى الأراضي التركية، فيما يتواجد نحو 5000 نازح، على الحدود كما أكد لنا مسئول بالمركز أن الحكومة التركية أمرت بجلب حمامات ومراحيض متنقلة وتوزيع المؤونة على النازحين بشكل يومي، وتم إقامة أربعة مخيمات على بعد نحو 20 كيلومترا من بلدة جسر الشغور ويتوزع اللاجئين في مخيمات بمناطق ”يايلاداغي” و”التينوزو” و”ريهانلي” في إقليم ”هاتاي” بجنوبي تركيا.
-
وأضاف المتحدث أن المخيمات زوّدت بالهواتف وبمترجمين وأن كل اللاجئين بإمكانهم الحصول على الغذاء والرعاية الصحية بدءا من الأسبوع المقبل.
-
اقتربنا من المركز بعد أن أخذوا منا بطاقاتنا وجميع وثائقنا بما فيها آلة التصوير وهواتفنا النقالة، كان هناك آلاف السوريين الفارين جراء الأوضاع الأمنية على طول قرية “غوفيتشي” التركية في أنطاكيا (جنوب) نصبت في كل مكان خيام وأكواخ من البلاستيك والقماش بلون أبيض وأخضر وضعها الهلال الأحمر التركي، حيث أقام ثلاثة مخيمات لاستقبالهم قيل لنا إن كل خيمة تحوي نحو 3000 آلاف لاجئ.
-
-
آلاف السوريين في رحلة البحث عن مرحاض
-
حاولنا الاقتراب، غير أن الحاجز الأمني التركي منعنا وكانوا في كل مرة يطلبون منا وثائقنا، أو تصريح دخول من قبل مركز اللاجئين.
-
انتظرنا إلى غاية حلول الصباح علنا نلتقي بعض الفارين، كانت عقارب الساعة تشير إلى السابعة ونصف صباحا.
-
كانت رائحة الأوساخ تنبعث من بعيد، عرفنا فيما بعد أن المكان لا يحتوي على مراحيض، وأن السلطات التركية وعدت بجلب مراحيض متنقلة وحمامات، كما شكّل الأطفال حلقة كبيرة فيما بينهم ينتظرون دورهم في جلب الماء من إناء بلاستيكي ضخم، بعضهم كان يرتدي ثيابا وسخة، وبعضهم لم يكن يرتدي قمصانا. وأكثر الفئات معاناة في البحث عن مراحيض كانت النساء والأطفال الذين تغيّرت حياتهم إلى الجحيم حسب ما يروون لنا.
-
انتظرنا لمدة حوالي نصف ساعة، شاهدنا رجلا طاعنا في السن يضع بين يديه سبحة فضية اللون حاولنا الاقتراب منه، سألناه فيما إذا كان لاجئا فرّد قائلا: “الجميع غادر ولم يبق أحد لقد حرموني من الموت في بيتي، لقد بقينا على حدود مدينة جسر الشغور (شمال غرب سوريا) أكثر من يومين قبل أن نقرر المرور إلى تركيا عبر المعبر ومنا من مرّ عبر الأسلاك الشائكة .. إننا نفضل الموت جوعا على أن يقتلنا رئيسنا.
-
-
جنود الأسد يعبثون بأجساد القاصرات
-
يحكي عدد من اللاجئين وأغلبهم رفض أخذ صورا، خوفا من ملاحقة الجيش السوري لهم، فلا تزال في مدينة جسر شغور أموالهم وماشيتهم وأقاربهم، يقول أحد الفارين من مدينة جسر الشغور، وهو شاب في 34 من عمره يدخل يوميا الأراضي التركية لأخذ بعض المؤونة والعودة بها إلى والدته المعاقة في جسر شغور”يوميا أضطر لعبور الأسلاك الشائكة، الدرك التركي سمح لنا بذلك، لقد داهمتنا دبابة و60 مدرعة وأطلقوا الرصاص والقذائف، بشكل عشوائي حتى الكلاب والماشية كانوا يطلقون عليها النار لقد رأيتهم، أنا هربت لكن والدتي لا تزال على الحدود بين تركيا وسوريا لهذا أتنقل يوميا لأجل جلب المؤونة لي ولها”.
-
لحظات لا أكثر بدأ اللاجئون يتوافدون على مركز اللاجئين، اقتربنا من شاب آخر عمره لا يتجاوز 30 عاما يدخل الأراضي التركية بشكل يومي لأجل جلب المؤونة والعودة بها إلى أمه وأخوته في جسر شغور، يتحدث قائلا: “لقد تركت بعض السوريين ممن يحاولون الدخول إلى الأراضي التركية ينامون في سياراتهم أو في الشاحنات التي يستعينون بها، ولم يجد آخرون أماكن تأويهم من برودة الليل غير النوم على أغطية النساء الهاربات معهن من قرية جسر شغور”
-
حدثنا أن البعض من السوريين الهاربين جلبوا مواشيهم معهم على الحدود، فيما لم يجلب آخرون سوى الملابس الموضوعة على ظهورهم، يتحدث لؤي وهو من مواطني بلدة جسر الشغور السورية، قائلا: “في البداية كنا نعاني من قلة الطعام والمياه النظيفة وأيضا من عدم وجود حمامات لقضاء الحاجة أو الاستحمام، وكنا نشرب ونغسل وجوهنا من مجرى مائي قريب يتم استخدامه للحفاظ على النظافة الأساسية وغسل الأواني والاعتماد عليه كذلك كمصدر لمياه الشرب”.
-
اقتربنا من إحدى السيدات تدعى أم بشير بدت عيناها محمرتان، ردت علينا قائلة: “كان وقت المغرب قد حلّ عندما هاجمتنا دبابات وهم يطلقون النار علينا في كل اتجاه، لقد خرجنا من منازلنا، قبل أن يوقفنا نحو 5 جنود، حاول زوجي التكلم معهم قبل أن يطلقوا الرصاص عليه، حاولت الاقتراب منه، فجرني أحد الجنود بالقوة إلى زريبة، كنا نضع فيها الدجاج والماشية قال لي (.. ) ستموتين مثل الكلبة، وقام بإطلاق النار على كلب الحراسة لقد حاول التهجّم عليّ قبل أن ينادي عليه أحد أصدقائه ثم راح يخبرني قائلا:”أنت ستموتين اليوم أو غدا أيتها …..”
-
-
جنود اختاروا الهروب على قتل شعبهم
-
حدثنا لؤي عن ضابط سابق في الجيش السوري هرب برفقتهم مع عدد من الجنود ممن تركوا أسلحتهم وفروا نحو الأراضي التركية، مشيرا أنه يعرفهم، طلبنا منه أن يدلنا عليه ويخبره بأننا في انتظاره خارج المركز، فانتظرنا لمدة نصف ساعة، قبل أن يعود لؤي وبرفقته رجل يوحي شكله أنه في الـ 50 من عمره، كان يضع نظارات شمسية وبيده سبحة.
-
اقتربنا منه وقبل أن نسأله ردّ علينا قائلا: ”أين الشعب العربي احنا ما نعرف غير الغنى والبكي .. الشعب عم بيموت والعالم والعرب عم يتفرجوا .. رئيسنا يقتلنا ..”
-
بدا الرجل منهكا معنويا وجسديا، راح يسرد علينا تفاصيل الهروب رفقة الجنود الهاربين من سوريا قائلا: “ما كنا لنترك أرضنا لو أن عدوّنا صهيوني غير أن الذي يلاحقنا من دارنا ويهتك عرض نسائنا أيدناه بصوتنا قبل أن يكشر عن أنيابه .. لقد شاهدت بأم عيني جنديا وهم يضع يده على أماكن حساسة في جسد طفلة صغيرة يوغل في إهانتها أمام عائلتها، قبل أن يهم بإطلاق النار على بيتها لترويعها .. ماذا ننتظر من رئيس يُحرض جنوده على شعبه، أما أنا فقد اقتحموا بيتي حدثتكم أني ضابط سابق مثلي مثلهم وأن ما يفعلونه بإخوته لن يذهبوا من غضب رب العالمين .. ”.
-
وعن تفاصيل هروبهم يتحدث قائلا: “لقد طلب من الجنود السوريين اقتحام المنازل واستعمال السلاح بصورة عشوائية، حيث لم يكن الجنود يفرّقون بين الكبير والصغير ولا بين المرأة والرجل، كما وقعت عمليات اغتصاب نساء بحضور محارمهن” يتوقف ثم يضيف قائلا: “صورة الطفلة والجندي لاتزال راسخة في ذهني” ..
-
اثنان من الجنود ممن هربوا مع عائلات حمص وضعوا سلاحهم في المدينة قبل أن يصبحوا نازحين، وقرروا النزوح ليس خوفا من أن تمتد لهم همجية النظام القمعي، ولكن حتى لا يتلقوا أوامر بقتل إخوانهم السوريين”.
-
أذكر أنه من بين الجنود كان واحدا اسمه طلال، كان خائفا لكنه كما أخبرنا أنه في قرارة نفسه يشعر براحة الضمير.
-
ثم يضيف قائلا: “لقد هربت أنا برفقة هذا الجندي على متن دراجة نارية، وصلنا ليلا إلى الحدود التركية السورية، وكان علينا السفر ليلا لأن الطرق لم تكن آمنة، وعندما وصلنا المكان وجدنا أربعة شبان مروا عبر التلال الفاصلة بين جسر شغور والأمان عند الحدود التركية.
-
قبل أن يسمح لنا الدرك التركي بالمرور عبر الأسلاك الشائكة إلى الأراضي التركية، وعندما وصلنا المكان أدركنا أننا لم نعد في منطقة الخطر لأن الجنود السوريين لن يستطيعوا دخول الأراضي التركية.
-
لحظات لا أكثر ينادي على ”علي” صديقه مروان ممن هرب معه، قبل أن يدخل مركز اللاجئين بأنطاكيا أخبرنا قائلا ”وين الشعب العربي إحنا عم بنموت ..”
-
تركنا المركز لأننا كنا مجبرين على أخذ وثائقنا ونحن في طريق العودة كان وزير الخارجية التركي في طريقه لزيارة اللاجئين ..