الرأي

‮”‬الأنا هو الآخر والاختلاف فطري‮”‬

حمزة يدوغي
  • 884
  • 0

إننا إذا استندنا إلى‭ ‬منطق الأحداث نستطيع أن نقول إنه مرّ‮ ‬أكثر من عقد من الزمن على”انفراج‮”‬‭ ‬مأساتنا الوطنية التي‮ ‬أدخلت الجزائر في‮ ‬نفق مظلم،‮ ‬أيقن العدو،‮ ‬وكاد‮ ‬يؤمن الصديق بأن كيانها قد تصدع،‮ ‬وأن وحدتها قد تلاشت وأنها لن تخرج منه ولن ترى النور بعده أبدا‮.. ‬لقد عرفت أفظع أنواع التطرف والإكراه والعنف وما جر إليه من إجرام وإرهاب،‮ ‬مما جعلها من أكثر بلاد العالم خبرة وأغناها تجربة في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬بل وأصبحت رائدة في‮ ‬مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي‮ ‬صارت تهدد العالم بأسره‮.. ‬كلنا ندرك هذا جيدا،‮ ‬وكلنا‮ ‬يذكره،‮ ‬وكيف لا وذاكرة كل من عاش تلك العشرية الدامية ما تزال تنزف ما خزنته من ألام وجراح‮..‬

لكن السؤال الذي‮ ‬يمليه علينا واقعنا اليوم بعد مضي‮ ‬هذه المدة من الزمن هو‮: ‬هل اتعظنا حقا بهذه المأساة‮.. ‬وهل أدركنا فعلا حجم مسؤولياتنا تجاه الأجيال الناشئة وقمنا بما لها علينا من حق لتحصينها من هذه الظاهرة وشرعنا في‮ ‬إبعاد دواعيها واستئصال جذورها من الأساس؟

ما الذي‮ ‬تغير مثلا في‮ ‬منظومتنا التعليمية والتربوية،‮ ‬وهل تم الاجتهاد في‮ ‬المساحة الجديدة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تحتلها فيها ثقافة التسامح وفي‮ ‬سياستنا الثقافية والاجتماعية عموما؟

لا أحصر مفهوم هذا التسامح في‮ ‬ذلك الخلق النبيل الذي‮ ‬يدخل في‮ ‬ما هو مشترك إنساني‮ ‬عام‮ ‬يحمده جميع الناس على‭ ‬اختلاف أجناسهم وثقافاتهم؛ فهذا الخلق بهذا المنظور ليست له‮ “‬القداسة‮” ‬المستمدة من الدين،‮ ‬ولا‮ ‬يكون ملزما لصاحبه إلزاما دينيا،‮ ‬بخلاف المؤمن الذي‮ ‬ينشد به رضوان الله سبحانه لأنه‮ ‬يراه من الإحسان إلى‭ ‬الخلق الذي‮ ‬هو أعلى مراتب الإيمان‮!‬

الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نغرسه في‮ ‬أذهان ناشئتنا هي‮ ‬المبادئ الأساسية التي‮ ‬يقيم عليها الإسلام ثقافة التسامح وهي‮: ‬أولا أن”الاختلاف‮”‬‭ ‬بين بني‮ ‬البشر هو أمر طبيعي،‮ ‬وهو سنة من سنن الله في‮ ‬خلقه،‮ ‬وثانيا التنوع والتمايز والتعدد في‮ ‬إطار الوحدة الجامعة،‮ ‬وأخيرا أن الأنا هو الآخر‮!‬

إن هذه الأسس الثلاثة تتنافى تنافيا كليا مع كل نزعة عدوانية أو ميل إلى التعصب والإقصاء وكل ما من شأنه أن‮ ‬يضخم‮ “‬الأنا‮ ” ‬تضخيما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى إلغاء الآخر‮..‬

ثقافة التسامح تعني‮ ‬ابتداء الإيمان بأن”المغايرة‮”‬‭ ‬حق لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يجرّد منه أحد،‮ ‬لأنه‮ ‬يمثل القاعدة التي‮ ‬انبنى عليها مبدأ التعارف في‮ ‬الإسلام‮ – ‬سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الشعوب والأمم‮ “‬يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم‮”‬

ينبغي‮ ‬أن نشكّل ذهنيات أجيالنا وفق هذه الأسس أو المبادئ العامة،‮ ‬حتى‮ ‬يصبح من المسلّمات التي‮ ‬لا تقبل نقاشا أو جدالا أن للآخر الحق كل الحق في‮ ‬أن‮ ‬يخالفني‮ ‬لأنه متميز عني‮ ‬مغاير لي،‮ ‬فأنا لذلك مدعو بل مطالب بقبوله وتقديره واحترامه واحترام خصوصيته،‮ ‬ومن الخطأ الجسيم أن أعتقد بأن المنطقي‮ ‬والصحيح هو أن‮ ‬يكون الآخر نسخة مني‮ ‬أو أن أكون أنا نسخة منه،‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يتعارض مع الفطرة أصلا فالاختلاف بين البشر الأسوياء أمر طبيعي،‮ ‬بل هو ضروري‮ ‬لأنه عنصر ثراء وغنى مادام اختلافا في‮ ‬الرأي‮ ‬ووجهات النظر وليس اختلافا في‮ ‬الجوهر فيدفع إلى الخصام والقطيعة والعداء‮..‬

من أجل ذلك كان الأساس الذي‮ ‬انطلق منه الإسلام لغرس ثقافة التسامح هو الفرد وذلك بتنقية قلبه من الضغائن والأحقاد والكبر وكل نوازع التصّلب والعنف التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى‭ ‬الخصام والشقاق والعدوان‮! ‬وفي‮ ‬القرآن الكريم آيات عديدة ضبطت هذه النوازع وربطتها برضى الله سبحانه وبسخطه لما لها من أثر بالغ‮ ‬في‮ ‬توطيد السلم والحفاظ عليه،‮ ‬انطلاقا من دائرة الأفراد فيما بينهم ثم بين الجماعات والشعوب والأمم،‮ ‬من ذلك قوله عز وجل‮ “‬لا خير في‮ ‬كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو إصلاح بين الناس‮”.‬

لقد حرم القرآن الكريم كل أشكال الظلم والبغي‮ ‬والعدوان وحث على إقامة مبادئ العدل والأمن والسلام وأحدث‮ “‬ثورة‮” ‬في‮ ‬ما‮ ‬يسمى اليوم بحقوق الإنسان،‮ ‬فصاغها وبيّنها،‮ ‬وانتظرت البشرية أربعة عشر قرنا لكي‮ ‬تهتدى إليها،‮ ‬فتقرها نظريا وتهدر معظمها عمليا،‮ ‬كما نعلم ذلك جميعا‮.‬

إن أكبر‮ “‬ثورة‮” ‬سياسية اجتماعية،‮ ‬بل فكرية فلسفية في‮ ‬النظر إلى‭ ‬الكرامة الإنسانية هي‮ ‬قوله سبحانه‮ “‬من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا‮”.‬

القرآن الكريم هو الذي‮ ‬دعا إلى عدم التفريق بين الناس حتى بسبب العداوة والبغضاء،‮ ‬فقال‮ “‬ولا‮ ‬يجرمنكم شنآن قوم على‭ ‬ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى‮” ‬والقرآن الكريم هو أول كتاب سماوي‮ ‬يفرض على‭ ‬أتباعه تقديس الكليات الخمس حتى بالنسبة لأهل الذمة،‮ ‬فكفل لهم العقل والدين والمال والنفس والعرض‮.‬

إن هذا التسامح الديني‮ ‬هو الذي‮ ‬مكن من ميلاد الحضارة الإسلامية ونموها وانتشارها السريعين،‮ ‬لأنه هو الذي‮ ‬ضمن لغير المسلمين كرامتهم وحريتهم وحقوقهم،‮ ‬فاعتزوا بالانتماء إليها لأنها جعلتهم‮ ‬يشعرون بإنسانيتهم ويحسون بالدافع القوي‮ ‬إلى خدمتها،‮ ‬والإضافة إليها عن طواعية وطيب خاطر،‮ ‬فظهر بفضل ذلك لأول مرة في‮ ‬تاريخ الحضارات،‮ ‬ما‮ ‬يمكن أن نسميه اليوم‮ “‬المواطن العالمي‮” ‬ولقد جسد المسلمون الأوائل هذا المفهوم الشامل الذي‮ ‬يؤطر علاقة المسلم بالآخر،‮ ‬عموما وبغير المسلم خصوصا،‮ ‬وهم في‮ ‬أوج قوتهم وعزهم وسيادتهم،‮ ‬من ذلك مثلا أن عمر بن الخطاب رضي‮ ‬الله عنه عندما وضع ديوان الخراج وديوان الجند فإنه لم‮ ‬يتحرج من الإبقاء على‭ ‬العمال‮ ‬غير المسلمين الذين كانوا‮ ‬يتوّلون أمور هذا الديوان في‮ ‬عهد الدولتين الفارسية والبيزنطية،‮ ‬بل إنه لم‮ ‬يتحرج من الاحتفاظ باللغات الأجنبية التي‮ ‬كانت تدار بها تلك الأعمال،‮ ‬ولم‮ ‬يجبر أحد من أولئك العمال على‭ ‬اعتناق الإسلام ولم‮ ‬يشكك في‮ ‬شرفهم وأدائهم لأماناتهم‮.‬

الأنا هو الآخر‮ ..‬إننا عندما نرسخ هذا المبدأ في‮ ‬أذهان ناشئتنا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن تصحبه هذه الحقائق الدينية والتاريخية لكي‮ ‬يزداد اعتزازا بانتمائه وتمسكنا بمرجعيته،‮ ‬ولكي‮ ‬يعلم أن بعض الحضارات المعاصرة التي‮ ‬تدعي‮ ‬الريادة في‮ ‬هذا المجال وتدعي‮ ‬لنفسها فضل السبق في‮ ‬الدعوة إلى‭ ‬هذه القيم نجد شعارها الذي‮ ‬يعكس‮ “‬عقيدتها‮” ‬في‮ ‬الواقع هو”الجحيم هم الآخرون‮” ‬عنوان المسرحية الشهيرة للفيلسوف الوجودي‮ ‬الفرنسي‮ ‬جان بول سارتر‮!‬

مقالات ذات صلة