كرد تحت الثلج “1”
حين اقترح علي الزميل الشاب سمير حميطوش أن أكتب لقراء الشروق إضاءة على المسألة الكردية التي تتصدر نشرات الأخبار هذه الأيام، كان ذلك من حسن ظنه في هذا الشيخ الصحفي الذي عمل سنوات في العراق، وعاش وكتب في سورية، ويتابع منذ عقود ما يجري في الوطن العربي.
ولا أكتمكم أن الاقتراح أعجبني، فالذي لا يعرفه الزميل الشاب أني تابعت منذ سبعينيات القرن الماضي المسألة الكردية، ومن فم أحد رجالاتها، كنا نجلس في مقهى النوفلتي أمام تمثال الأمير عبد القادر، أو مقهى الطانطفيل في ساحة بور سعيد أو في منزل الملحق الثقافي العراقي عبد الرزاق جواد السامرائي، وكنت وقتها أعمل في أسبوعية المجاهد وأكتب لهذه الصحيفة أو تلك في لبنان وغير لبنان، كان ذلك الرجل هو عبيد الله نجل الزعيم التاريخ للأكراد الملا مصطفى البرازاني، وبالتالي فإن معلوماته وآراءه في الموضوع لا نشك في قيمتها.
وكان يوفد هذه المعلومات أو يدققها لي المهندس في سوناطراك طارق سلمان، وهو من الأكراد الفيليه في منطقة بغداد، لذلك فقد اعتقدت أن بإمكاني الاستجابة لاقتراح الزميل الشاب بسهولة.
لكن ما إن رجعت لنفسي حتى أحسست بالورطة فهو مقال يحتاج إلى الكثير من السيطرة على تقنيات الكتابة، سواء في الصياغة أو في المنهجية أو في الموقف، وحتى في ترتيب المعلومات وتحديد أهميتها، وزادتني العلاقة مع القارئ الجزائري إحساسا بالورطة، فهذا القارئ لا يكاد يعرف شيئا عن الأكراد، فإعلامنا الجزائري مغرق في المحلية، ولا يكاد يتحدث شيئا عن القضايا في الوطن العربي غير القضية الفلسطينية.
وبالتالي علي أن أمزج الحديث عن الحاضر بالتاريخ والتاريخ بالجغرافية، وكلاهما بالثقافة، والجميع بالوضع العالمي، والمشكلة في كل هذا أننا نتحدث عن الأكراد، والأكراد أكثر شعوب الأرض غموضا، وعلى ذلك أرجو أن يعذرني القراء إذا ما سبقني قلمي أو خانتني العبارة.
من هم الأكراد
حتى الحرب العالمية الأولى لم يكن لدى الأكراد أي مشروع سياسي يوحدهم، ما جعل السياسية الإنجليزية “مس بل” صانعة ملوك المنطقة تقول:إن الكرد شعب يفتقر إلى القيادة. وقالت ذلك رغم أن هذا الشعب يسكن جبال زاغروس الكائنة شمال غرب إيران وجنوب شرق الأناضول وجمهورية أرمينيا وهم من الأقوام الهندو-آريه وليست لهم علاقة بالساميين، وحتى كلمة كردستان “أرض الكرد” أطلقها على منطقة سكناهم السلطان السلجوقي سنجر في القرن الثالث عشر الميلادي السادس الهجري، وأطلقها على القسم الإيراني ولم يعترف بهذه التسمية لا الأتراك ولا الأرمن، فلا أحد يريد أن يعترف بهذا الشعب ولا بأرضه هذه الأرض التي قسمت عام 1514 بين السلطان العثماني سليم الثاني وبين الدولة الصفوية “الشاه إسماعيل الصفوي”، وكان الجزء الأكبر من تنصيب العثمانيين لأنه شيخ أكبر عشائرهم “ملاي بدلسي” انضم إلى العثمانيين السنة ضد الصفويين الشيعة، وتأكدت هذه القسمة عام 1639 باتفاقية قصر شيرين بين العثمانيين والصفويين، وهكذا ظل الأكراد طوال قرون في حالة عجز عن الانتقال من الأقوامية أو العشائرية إلى القومية أو الأمة، وظل المتحكمون فيهم هم رؤساء العشائر الذين يتبعون في العادة من يدفع لهم أكثر.. ولم يقوموا بأي نشاط يمكنه أن يطوّر مجتمعهم ويوحدهم… لذلك لا نجد في التاريخ أسماء كردية لامعة في الفلسفة والأدب ولا أي من العلوم الإنسانية.
وحتى في الميدان اللغوي لايزال علماء اللغات في العالم يبحثون عن معنى كلمة كرد، فهي مرة تعني بدو الفرس ومرة تعني قطاع الطرق: وقد أوسعت الشعوب المحيطة الأكرادَ إهانة، ولعل العرب هم الشعب الوحيد الذي لم يحتقر الأكراد، ولم يحتل بلادهم ولم يسفه عاداتهم ولم يشتمهم، فكلمة كرد عند الطبري كانت تعني الفلاحين.
إذن فنحن أمام “أمة” أضاعها رؤساء عشائرها، فضاعت ملامحها القومية والانتربولوجية وأضاعوا حدود ومعالم أرضها فضاعت دولتها، وكل ما يمكن قوله: إن الأكراد عشائر متنقلة لا يوحدها تاريخ ولا تجمعها أرض، وأكثر من ذلك لم تجمعهم لغة، مما جعل الفراغ السياسي والثقافي واسعا.
اللغة الكردية:
إذا كنا نرى أن الأكراد هم سكان منطقة كردستان في جبال زاغروس وتبلغ مساحة هذه المنطقة أكثر من نصف مليون كيلو متر مربع وعددهم أكثر من 20 مليون نسمة، فما هي لغتهم؟ فالأقوام تتوحد لغتها كجزء من مسيرتها لتشكيل أمة، ويتولى ذلك في العادة قيادات من الرجال لها عقيدة، فلغات الشعوب مقدسة، وتوحدها دينيا وقوميا، وغالبا ما تكون لغة العشيرة الأكثر نفوذا سواء بسبب الكثرة أو القوة أو المال، وهو ما لم نلاحظه في تاريخ العشائر في كردستان، فهم لا يعتبرون أنفسهم فرسا، وفي لغاتهم الكثير من الفارسية، وهم لا يعتبرون أنفسهم أتراكا، وفي لغاتهم الكثير من التركية، ولأن فيهم نساطره ففي لغاتهم الكثير من الكلدانية والآشورية، بل إن كلمة “كركوك” اسم المدينة التي يجري نزاع حولها كلمة آشورية تعني “النار القديمة أو الأزلية”.
وعلى ذلك لاحظ علماء اللغات أن هذه العشائر تتكلم لغات مختلفة يمكن أن يطلق عليها السورانية، الباديانية، الكرمانجية، الزاراكية، الكورانية، وأما أكراد بغداد ووسط وجنوب العراق وهم مسلمون شيعة ويطلق عليهم الأكراد الفيليه وتسمى لغتهم “الفيلية” وهي تختلف عن لغة الأكراد الفيلية الذين في إيران وحتى هذه اللحظة لم تكتشف مخطوطات مكتوبة بلغة كردية موحدة، ولا معاجم أو قواميس لهذه اللغة أو تلك من لغاتهم أو قاموسا موحدا يجمعها.
الأكراد والدول المجاورة
قلنا إن الأكراد قسموا في عام 1514 بين العثمانيين والصفويين وتأكد هذا التقسيم في 1639، وقد تلاعبت الدولتان التركية والإيرانية في جميع عهودهما بهذه العشائر الكردية، قد تركهم العثمانيون على حالهم تحت رحمة رؤساء عشائرهم، ولم يقوموا بأي جهد سياسي أو اقتصادي لترقيتهم، وكل ما قاموا به هو إطلاق يد الفرق الوفية التي تتبع الباب العالي وخاصة النقشبندية، التي ملأت الفراغ من العشائر المسلمة، أما المسيحية فتركوا للبطاركة، ولم يفكر أي من رؤساء العشائر والطرق الصوفية والبطاركه بترقية الشعب الكردي في أي مجال من المجالات، وظل يديره لصالح العثمانيين الذين عبروا من هذه المنطقة قادمين من خراسان موطنهم الأصلي.
ومما يؤسف له أن الأتراك تلاعبوا بالأكراد تلاعبا واسعا، ولايزال مستمرا حتى يومنا هذا، ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث بدأ الأكراد يتجهون نحو التشكيل القومي، وبدأ شعورهم القومي يجد أشكالا من التعبير، وعدهم كحال أتاتورك مؤسس الدولة العلمانية التركية بالاستجابة لمطالبهم، لكنه احتل مناطقهم من جديد عام 1923 إثر معاهدة لوزان في جويلية من ذلك العام، وهي المعاهدة التي ألغت معاهدة سيفر أوت 1920 التي كانت تنص على الحكم الذاتي للأكراد في جنوب تركي، وإمكانية انضمام الأكراد الذين ضموا إلى شمال العراق إلى هذا الحكم، لكن معاهدة لوزان بيندول الحلفاء وأتاتورك قتلت هذا الأمل، بل إن حكام أنقرة ذهبوا بعيدا في اضطهاد الأتراك، ولم يمنعوا أية لغة كردية فحسب، بل منعوا لفظة كرد بحد ذاتها، وأطلقوا علهم “أتراك الجبل” بل إن أسيتانا التركية منذ 1924 التي تعترف بـ 28 قومية في دولة تركيا استثنت الأكراد، وإذا كان العثمانيون قد استعملوا الأكراد في قوات “الجندرمة” والجيش الانكشاري لقمع الشعوب غير التركية التي تثور عليهم وخاصة العرب، فإن الإيرانيين كانوا أكثر تنكيلا بالأكراد، فقد استعملوهم على نطاق واسع في إثارة المشاكل ضد الجيران من جهة، واضطهدوهم في الداخل من جهة أخرى، وحرضوا عشائرهم ضد بعضها البعض من جهة أخرى.
وفي 22 / 1 / 1946 وبدعم واسع من الزعيم السوفيتي “جوزيف ستالين” الذي كان يتطلع إلى النفط الإيراني، قام الملا مطفى البرازاني زعيم عشيرة بارازان بإعلان جمهورية مهاباد، ولكنها لم تعمر طويلا، فالدول الغربية الكبرى الداعم الأكبر لشاه إيران، لا يمكن أن تسمح بقيام مجرد دويلة يدعمها الاتحاد السوفيتي، فانقض الشاه على البرازاني، وأنهى جمهوريته في 31 / 5 / 1947، وفر مصطفى مع حوالي خمسمئة من أتباعه إلى موسكو، وقد ظل السوفيت يلعبون ويتلاعبون بالبرازاني والقضية الكردية، وظهر بين الأكراد تيار شيوعي ينضاف إلى تياراتهم السياسية التي بدأت تنمو بعد الحرب العالمية الثانية، وللأسف، فإن هذه التيارات كانت في معظمها تعمل تحت السقف الإقليمي، فبعضها يدعو للانضمام إلى إيران، وبعضها إلى تركيا، والقسم الثالث إلى العراق.