الرأي

‮.‬‭..‬بوعرّيفو‮!‬

جمال لعلامي
  • 2640
  • 0

لعلّ‮ ‬من الفوبيا التي‮ ‬تدوّخنا جميعا،‮ ‬أن كلّ‮ ‬الأطراف،‮ ‬في‮ ‬الحكومة والأحزاب،‮ ‬في‮ ‬الإدارة والمجالس المنتخبة،‮ ‬في‮ ‬البرلمان والوزارات،‮ ‬في‮ ‬بيت السياسة والصحافة،‮ ‬في‮ ‬الجامعة ووسط النخبة،‮ ‬يزعمون أنهم‮ “‬بوعرّيفو‮”!‬

البوعرّيفو،‮ ‬اصطلاحا هو الاعتقاد أو الإدعاء بالعلم والمعرفة أكثر من الآخر،‮ ‬ولذلك‮ ‬يريد كلّ‮ “‬بوعرّيفو‮” ‬أن‮ ‬يصمت‮ ‬غيره عندما‮ ‬يتكلم هو،‮ ‬ويريد أن لا‮ ‬يسمع إلاّ‮ ‬صوته،‮ ‬من باب أنه‮ ‬يعرف كلّ‮ ‬شيء،‮ ‬رغم أنه ليس علاّم الغيوب،‮ ‬وأن‮ ‬غيره لا‮ ‬يعلم ولا‮ ‬يفقه شيئا‮!‬

الحكومة بوزرائها تغرّد صباح مساء بأنها‮ “‬بوعرّيفو‮”‬،‮ ‬وتعتقد أن كلّ‮ ‬ما تقوله ولا تقوله‮ “‬منزّل‮” ‬ينبغي‮ ‬الإيمان به والعمل به وعدم نكرانه أو الوقوف في‮ ‬وجهه أو التشويش عليه،‮ ‬وكلّ‮ ‬من خرج عنه فهو‮ “‬ما‮ ‬يعرفش صلاحو‮”!‬

الأحزاب بقيادييها ونوابها تـُنشد هي‮ ‬الأخرى في‮ ‬النهار وأطراف الليل أغنية‮ “‬بوعرّيفو‮”‬،‮ ‬ولا تريد سماع الأصوات التي‮ ‬تغرّد خارج سربها،‮ ‬وحتى إن لم تعارضها أو تصدّها فإنها تحتقرها بكلمة‮: “‬يا سعدك‮ ‬يا لطرش‮”!‬

الإدارة بولاتها ورؤساء مصالحها التنفيذية لا ترى أحدا‮ “‬بوعرّيفو‮” ‬غيرها،‮ ‬ولذلك فإنها تعاقب بالبيروقراطية كلّ‮ ‬من‮ ‬يتحدّاها أو‮ ‬يتهمها بالمحسوبية وتعطيل المصالح العليا والدنيا‮!‬

المجالس‮ “‬المخلية‮” ‬بأميارها ومنتخبيها،‮ ‬تكفر بكلّ‮ “‬البوعرّيفوات‮” ‬وترى أنها‮ “‬البوعرّيفو‮” ‬الوحيد على وجه المعمورة،‮ ‬ومن لم‮ ‬يُعجبه هذا التشخيص المقدّس فعليه إمّا أن‮ ‬ينتحر أو‮ ‬يبقى معاقبا إلى الأبد بالعزلة و”الحڤرة‮”!‬

النخبة السياسية والأكاديمية والجامعية،‮ ‬تعتقد أنها‮ “‬خليفة الله على الأرض‮”‬،‮ ‬وهي‮ “‬البوعرّيفو‮” ‬الذي‮ ‬على الجميع التعامل معه وفق قاعدة‮ “‬السمع والطاعة‮” ‬والولاء،‮ ‬وماعدا ذلك،‮ ‬فهو هراء وابتلاء‮!‬

الصحافة العمومية والمستقلة،‮ ‬ترى هي‮ ‬الأخرى أنها‮ “‬البوعرّيفو‮” ‬الذي‮ ‬ينقل أحيانا‮ “‬الكفر‮” ‬للناس،‮ ‬لكنه ليس بالكافر،‮ ‬وهي‮ “‬البوعرّيفو‮” ‬الأكبر الذي‮ ‬يجب لكلّ‮ “‬البوعرّيفوات‮” ‬أن تعترف به وتبايعه وتصادقه وتقدّسه وتتقي‮ ‬غضبه‮!‬

المثقفون و”الفلاسفة‮” ‬والعلماء‮ ‬يظنون هم أيضا أنهم‮ “‬بوعرّيفون‮” ‬بالفطرة والغريزة،‮ ‬لا‮ ‬ينبغي‮ ‬لأيّ‮ ‬كان مناظرتهم ومجادلتهم ومناقضتهم،‮ ‬فكلامهم مقتبس من‮ “‬الكتاب‮”‬،‮ ‬ومن عارضهم فقد فتح على نفسه أبواب الجحيم‮!‬

‭..‬هذه هي‮ ‬المعادلة القاتلة‮: ‬أنا‮ “‬بوعرّيفو‮”‬،‮ ‬أنت‮ “‬بوعرّيفو‮”‬،‮ ‬هي‮ ‬وهو وهم وهنّ‮ ‬ونحن وأنتم‮ “‬بوعرّيفو‮”‬،‮ ‬هؤلاء وأولئك جميعا‮ “‬بوعرّيفو‮”.. ‬فمن‮ ‬يعلّم من؟ ومن‮ ‬يتكلم لمن؟ ومن‮ ‬يستمع لمن؟‮  ‬

مقالات ذات صلة