...بوعرّيفو!
لعلّ من الفوبيا التي تدوّخنا جميعا، أن كلّ الأطراف، في الحكومة والأحزاب، في الإدارة والمجالس المنتخبة، في البرلمان والوزارات، في بيت السياسة والصحافة، في الجامعة ووسط النخبة، يزعمون أنهم “بوعرّيفو”!
البوعرّيفو، اصطلاحا هو الاعتقاد أو الإدعاء بالعلم والمعرفة أكثر من الآخر، ولذلك يريد كلّ “بوعرّيفو” أن يصمت غيره عندما يتكلم هو، ويريد أن لا يسمع إلاّ صوته، من باب أنه يعرف كلّ شيء، رغم أنه ليس علاّم الغيوب، وأن غيره لا يعلم ولا يفقه شيئا!
الحكومة بوزرائها تغرّد صباح مساء بأنها “بوعرّيفو”، وتعتقد أن كلّ ما تقوله ولا تقوله “منزّل” ينبغي الإيمان به والعمل به وعدم نكرانه أو الوقوف في وجهه أو التشويش عليه، وكلّ من خرج عنه فهو “ما يعرفش صلاحو”!
الأحزاب بقيادييها ونوابها تـُنشد هي الأخرى في النهار وأطراف الليل أغنية “بوعرّيفو”، ولا تريد سماع الأصوات التي تغرّد خارج سربها، وحتى إن لم تعارضها أو تصدّها فإنها تحتقرها بكلمة: “يا سعدك يا لطرش”!
الإدارة بولاتها ورؤساء مصالحها التنفيذية لا ترى أحدا “بوعرّيفو” غيرها، ولذلك فإنها تعاقب بالبيروقراطية كلّ من يتحدّاها أو يتهمها بالمحسوبية وتعطيل المصالح العليا والدنيا!
المجالس “المخلية” بأميارها ومنتخبيها، تكفر بكلّ “البوعرّيفوات” وترى أنها “البوعرّيفو” الوحيد على وجه المعمورة، ومن لم يُعجبه هذا التشخيص المقدّس فعليه إمّا أن ينتحر أو يبقى معاقبا إلى الأبد بالعزلة و”الحڤرة”!
النخبة السياسية والأكاديمية والجامعية، تعتقد أنها “خليفة الله على الأرض”، وهي “البوعرّيفو” الذي على الجميع التعامل معه وفق قاعدة “السمع والطاعة” والولاء، وماعدا ذلك، فهو هراء وابتلاء!
الصحافة العمومية والمستقلة، ترى هي الأخرى أنها “البوعرّيفو” الذي ينقل أحيانا “الكفر” للناس، لكنه ليس بالكافر، وهي “البوعرّيفو” الأكبر الذي يجب لكلّ “البوعرّيفوات” أن تعترف به وتبايعه وتصادقه وتقدّسه وتتقي غضبه!
المثقفون و”الفلاسفة” والعلماء يظنون هم أيضا أنهم “بوعرّيفون” بالفطرة والغريزة، لا ينبغي لأيّ كان مناظرتهم ومجادلتهم ومناقضتهم، فكلامهم مقتبس من “الكتاب”، ومن عارضهم فقد فتح على نفسه أبواب الجحيم!
..هذه هي المعادلة القاتلة: أنا “بوعرّيفو”، أنت “بوعرّيفو”، هي وهو وهم وهنّ ونحن وأنتم “بوعرّيفو”، هؤلاء وأولئك جميعا “بوعرّيفو”.. فمن يعلّم من؟ ومن يتكلم لمن؟ ومن يستمع لمن؟