100 “لغز” أمام المحكمة للفصل في فضيحة سوناطراك
“سيدي الرئيس أدينا عملنا وفقا للقانون… لم نخن لا أمانة الشعب ولا سوناطراك.. لدينا ثقة كبيرة في عدالة بلادنا.. نريد البراءة، بل رد الاعتبار” هي كلمات رددتها إطارات سوناطراك المتابعون في الملف، على مسامع هيئة محكمة الجنايات بالجزائر العاصمة قبل دخولها في مداولات والتي ستستمر إلى غاية يوم الثلاثاء المقبل للنطق بالأحكام في الملف الذي دامت المحاكمة فيه شهرا كاملا يحمل حوالي 100 سؤال.
بعد انتهاء مرافعات المحامين في حق آخر متهم بلقاسم بومدين، كانت الساعة تقارب الواحدة زوالا لما منح القاضي محمد رقاد الكلمة الأخيرة للمتهمين، وقبلها تقدم بكلمة شكر لهيئة الدفاع والذين قال بأنهم شرف للعدالة الجزائرية، لتكون أول كلمة من نصيب المتهم ال اسماعيل وبدأها بآية قرآنية تتحدث عن الكيد ليقول “حسبي الله ونعم الوكيل”. “أنا بريء سيدي القاضي، ولدي ثقة في بلادي وعدالتها”، يضف والدموع تنزل من عينيه “أنا خدمت الجزائر ومستعد لخدمتها.. البراءة أطلبها وضميري مرتاح”، ليسأله القاضي عن ممتلكاته التي حجزت بسبب القضية .
وفي السياق، نفسه قال حساني مصطفى “لقد عملت عملي بكل نية صادقة وربي يشهد علي بأني بريء”، ليشير أنه لا يملك أي محجوزات ماعدا جواز السفر، فيما صرح شيخ مصطفى في كلمته الأخير “أنا بريء، القضية أضرت بي كثيرا”، فيما تلى بلقاسم بومدين آيات من سورة الأنبياء لتسبقه الدموع قبل الكلمات ليقول “لم أكن انتظر من القضاء أن تسير المحكمة بهذا الشكل، ومهما كان الحكم شكرا لهيئة المحكمة”، وأضاف “المسؤولية على أكتافكم انتم وليس علي إلا أن طلب كل الحكمة والصواب لتبرئتنا “.
أما رضا مزيان فقال “سيدي الرئيس، اطلب البراءة فقط”، وذكر هيئة المحكمة بالعقارات المحجوزة، فيما صرح مزيان بشير فوزي “صراحة لا علاقة لي بالملف، لا أعرف ما أقول”، القاضي “حتى الصمت هو كلمة”، أما مغاوي الهاشمي صرح “سيدي القاضي عملت بنية حسنة، لم تكن لي نية في الفساد.. 6 سنوات في السجن مع ابني، صعب جدا”، ليطلب رد الاعتبار ورفع الحجز عن حساباته التي لا علاقة لها بالملف، وبدوره ابنه اليزيد قال “أنا مظلوم، أطلب البراءة ورد الاعتبار”، أما زناسني بن عمر الذي كان مبتسما، ليخاطبه القاضي “أنت الوحيد الذي تبتسم”، ليرد المتهم “أنا بريء وبعيد كل البعد عن هذه القضية”، فيما قال عبد الوهاب عبد العزيز “خدمت بلادي وسوناطراك بكل إخلاص، لدي ثقة في العدالة”، أما صنهاجي محمد صرح “عملت عملي طبقا لصلاحياتي وأتحمل مسؤوليتي ولدي ثقة في المحكمة”، ليطلب آيت الحسين مولود البراءة.
ومن جهته رحال شوقي قال “هذه المرة الأولى في حياتي التي أمثل فيها أمام المحكمة”، ليرد عليه القاضي “إن شاء الله تكون آخر مرة”، وأضاف “كل ما عملت كان لصالح سوناطراك والجزائر. إني بريء”، فيما قالت ملياني نورية “لقد عملت في إطار مهنتي ولا علاقة لي بسوناطراك. الشرف ليس له ثمن، أنا متزوجة.. 3 سنوات لم أر أطفالي، أطلب البراءة“.
أما الرئيس المدير العام لسوناطراك محمد مزيان فكانت كلمته الأخيرة جد مؤثرة ليخاطب هيئة محكمة الجنايات “سيدي الرئيس، 43 سنة في قطاع المحروقات والطاقة، 33 منها إطار سام، لم أقم بأي مخالفة في التسيير ولم أخن وطني ولا سوناطراك التي كنت أرأسها.. أطلب البراءة ورد الاعتبار”، كما طلب رفع الحجز عن الفيلا الخاصة به ببئر خادم.
وأكد مدير سايبام ماسيمو غاليبولي عن طريق المترجمة بأن لديه ثقة في العدالة الجزائرية، طالبا رفع الحجز عن الحسابات الخاصة بالشركة، وهو نفس ما طلبه ممثل مجمع “كونتال فونكوارك” الألماني “تلامار توماس” والذي قال أن المجمع ينتظر رفع الحجز على الحسابات لتسديد الضرائب، فيما ناب المحامي كمال علاق عن ممثل الشركة الألمانية “فونكوارك بلاتيك” الذي اضطر للسفر منذ أيام ليطالب ببراءة الشركة من التهم المنسوبة إليه، ونفس ما قاله ممثل “كونتال ألجيريا” فرطاس عبد الرحيم.
وقبل دخول هيئة محكمة الجنايات المكونة من الرئيس والمستشارين والمحلفين للمداولات القانونية والتي ستعلن عن نتائجها يوم الثلاثاء على الساعة الثانية، تلا القاضي رقاد نتائج الخبرة العقلية والبحث الاجتماعي التي أنجزت حول المتهمين والتي أكدت أنهم غير مسبوقين قضائيا ماعدا آل اسماعيل المتابع ببعض المخالفات البسيطة، ويتمتعون بأخلاق حسنة ومن عائلات محترمة وأغلبهم إطارات دولة، ليعلن رئيس المحكمة عن بعض الأسئلة الاحتياطية في حق المتهمين شيخ وحساني وصنهاجي وتتعلق بتكييف التهمة من المشاركة إلى إبرام صفقات والعكس بالنسبة للمتهمين بلقاسم بومدين ومحمد مزيان، ليفضل عدم تلاوة الأسئلة التي ستتداول فيها محكمة الجنايات والتي قدرها بحوالي 100 سؤال، لينسحب حوالي الساعة الثانية زوالا بعد قراءته على مسامع هيئة المحكمة نص المادة 305.
المحامي إزروين: “قرينة البراءة نسمع بها فقط في مشاريع إصلاح العدالة؟”
قال المحامي إزروين عبد العزيز في مرافعته لصالح بلقاسم بومدين نائب متابع بكل التهم التي جاءت في الملف من جناية المشاركة في تنظيم جمعية أشرار والرشوة وتبييض الأموال وإساءة استغلال الوظيفة وإبرام صفقات مخالفة للتشريع، مشيرا إلى أن ملف الاتهام مغاير لما جرى في المحاكمة بنسبة كبيرة، لأن المحتويات القانونية وتكييف التهم شيء، وما سمعناه من سماع المتهمين إلى الشهود مغاير تماما، ليقول “كل ما نسب للمتهمين عموما وما رأيناه في الجلسة معطيات مختلفة تماما“.
وبخصوص التهم المتابع بها موكله بلقاسم بومدين، أكد المحامي إزروين بأن التكييف سبق الوقائع، في وقت من المفروض دراسة الوقائع لتكيف التهم بعدها، معتبرا قرار الإحالة الذي بني عليه ملف الاتهام في قضية “سوناطراك 1” يحمل في طياته الكثير من التناقضات والمفارقات، ليقول “القانون يقول الاتهام يبنى على وقائع قائمة، لكن في الملف الحالي قائم على وقائع مستنبطة لا أساس لها من الصحة”، وتابع مرافعته “القانون يهدف إلى حماية المجتمع لا تهديم الأشخاص والزج بهم في السجن لغاية في نفس يعقوب؟”، وعرج الأستاذ إزروين في السياق على مسألة الحبس الاحتياطي الذي أصبح في الملف عقوبة قبل المحاكمة، ليعتبر بأن قرينة البراءة أصبحنا نسمع بها فقط في الخطابات الفضفاضة لمشاريع إصلاح العدالة، لكن الواقع يثبت العكس، ليقول “لا يجوز الزج بالأشخاص ست سنوات في الحبس الاحتياطي قبل المحاكمة، وهو ما يعني أن الاتهام أصبح أمرا واقعا”، وأضاف “حتى المجتمع الجزائري في ذهنيته أن من يدخل الحبس الاحتياطي ليس بريئا؟ أترون سيدي الرئيس خطورة الحبس؟”، وأردف “أتتخيلون عبء الحبس لشخص كبير في السن مثل بلقاسم بومدين، لأن كل سنة هي أضعافها”، ليذكر والحسرة تتملكه على ما آلت إليه العدالة الجزائرية، بظروف إيداع موكله في المؤسسة العقابية من قبل قاضي التحقيق والتي سبق وكشف عنها بلقاسم لهيئة المحكمة، ليصرح “من يوم انطلاق الجلسة سيدي الرئيس وأنتم تقولون القانون هو الفيصل، لكنه لم ينصفنا، لأنه منح سلطة لقاضي التحقيق ليخالف القانون”، وأضاف “هذه حرية أشخاص؟“.
سوناطراك هي أم الجزائريين وليست البقرة الحلوب
ورفض المحامي إزروين عبد العزيز ما حدث لموكله بلقاسم بومدين وهو إطار سام في الدولة أفنى 30 من سنة حياته في خدمة سوناطراك، ليقول لست موافقا على وصف سوناطراك بالبقرة الحلوب لأنها “هي أم الجزائريين ” وواصل كلامه حول سوناطراك والتي قال بأنها الشركة التي ضحوا من أجلها رجالا ونساء وبفضلها كانت السياسات التي أدت للسلم الاجتماعي، ليصرح “زرت موكلي في الحبس وقال ثقتي في العدالة كبيرة لكني أعلمته أنه لن يخرج قبل ثلاث سنوات لكنها وصلت ست سنوات” وأضاف “موكلي قال لي لما قاضي التحقيق يستمع للشهود سيعلم الحقيقة؟ لكن العكس حدث لأن الحقيقة كانت من جهة والتحقيق في الجهة المعاكسة“.
وكشف المحامي في السياق بأن جميع الوثائق الموجودة في 50 علبة بالملف تبين بأن كل ماهو منسوب لبلقاسم بومدين بدون أدلة، معتبرا بأن كل أفعال التسيير التي قام بها بلقاسم أو باقي الإطارات كانت موثقة بملفات، وخير دليل – يقول – زميلي المحامي مداني جلب لهيئة المحكمة 40 وثيقة تبين المراسلات والتعليمات في الصفقات الخاصة بالحماية الالكترونية المتابع بها موكلي، ليؤكد من يرتكبون الجنح والجنايات لا يتركون أثر عادة “ليشدد على أن سوناطراك منذ بدايتها وهي تسير بهذه الطريقة، ليتساءل “أيعقل أن نتهم أشخاص عن طريق استنتاجات؟ وبسبب تسيير متعارف عليه في المجمع؟“.
شكيب خليل كان عضو مجلس الوزراء ويعلم مدى أهمية المشاريع لسوناطراك
وقال الأستاذ ازروين عبد العزيز بأن المحاكمة أظهرت من خلال استجواب المتهمين والشهود طيلة شهر بأن ما يبرر الليونة في التسيير هي الاستعجال والخطر المحدق والذي ولد تعليمات الوزير شكيب آنذاك، ليصرح “يؤسفني أن محامي الطرف المدني قالوا 2004 لم يكن هناك إرهاب ويوميا مفرزات الجيش الشعبي تكتشف مخابئ للإرهاب؟” وأضاف “كيف تجاهلوا الخطر المحدق في الحدود الثلاث بالجنوب ” وأردف “كل القرارات التي اتخذت منذ 2004 في مشاريع الحماية وأنظمة المراقبة في سوناطراك هي التي حفظت المنشآت إلى اليوم “ليؤكد المحامي على أن تعليمات الوزير – والذي قال عنه موكله بومدين بأنه أحد أعضاء مجلس الوزراء ويعرف أكثر منهم بالنسبة للخطر الذي كان محدقا بسوناطراك التي تمثل “الأم المغذية للجزائريين” – هي كانت – يقول – وراء هذا الملف كتسيير للمؤسسة وليس كوقائع متهم بها إطارات الشركة، ليصرح “ما قام به المسيرون لا يشكل لا جنحة ولا جناية” وتأسف في السياق لتجريم وقائع كانت معروفة لدى السلطات العليا للبلاد بدليل تعيين الوزير لشخص لمراقبة المشاريع الخاصة بالحماية عن كثب، وأضاف نجرمها فقط لأن أحد أبناء مزيان شريك في الشركة، ليقول “إلى أين وصلنا في الجزائر، نجرم تسيير عادي ونضعه تحت طائلة قانون العقوبات؟“.
مداني عبد الحق:
“فرضية التواطؤ التي حبكتها الدياراس كلفت بومدين ست سنوات حبسا”
وبدوره الأستاذ مداني عبد الحق قال مخاطبها ضمير هيئة محكمة الجنايات “موكلي بلقاسم بومدين العبد الضعيف محال بسبب سلسلة من الخروقات ووقائع ظلمته” وبمزيج من الحزن والأسى بدأ مرافعته مشيرا، إلى أن هناك ملاحظات وجب التوقف أمامها في الملف الذي قال عنه “يثير الحزن” وعاد ليذكر بمهزلة “الحبس المؤقت” متأسفا لكونه مازال يطرح مشكلا في 2016، ليصرح “العدالة الجزائرية مازالت لم تفهم بأن التحضر يكمن في احترام حقوق الإنسان” وأضاف وهو في قمة الانفعال “في شريعتنا الإسلامية وليس فقط في المعاهدات الدولية الحرية شيء مقدس لا يمكن الدوس عليها“.
ولفت المحامي مداني هيئة محكمة الجنايات إلى أن موكله بلقاسم بومدين هو إطار بأتم معنى الكلمة تحسد الجزائر عليه لتأتي فرضية في الملف جعلت منه مجرما في قفص الاتهام، ليذكر بانطلاق ملابسات الملف والذي انطلق على أساس تقرير الضبطية القضائية العسكرية، مشيرا إلى أن مجمل ما جاء فيه أن المتهم الرئيسي مزيان محمد استفاد من صفقات غير مشروعة بتواطؤ بلقاسم بومدين، ليقول “المواد التي نتابع بها اليوم هي عبارة تواطؤ التي رددتها “الدياراس” في تقريرها” والتي قال إنها حاكمت بومدين في 2009 على أساس نظرية التواطؤ والتحقيق سلط العقوبة عليه في 13 جانفي 2010 لما قرر ظلما الزج ببلقاسم الحبس الاحتياطي الذي بقي فيه لست سنوات.
الدياراس حملت بلقاسم بومدين وزر التواطؤ بدون دليل
وذكرَ الأستاذ مداني هيئة محكمة الجنايات بالنقاش الذي دار في المحاكمة حول عمل سوناطراك وتمويلها للدولة وكذا خضوعها لتعليمة داخلية وليس لقانون الصفقات، ليكشف عن هيكلة سوناطراك التي أقرها مرسوم رئاسي والتي تبدأ بأعلى الهرم الجمعية العامة ثم الرئيس المدير العام وهو رئيس مجلس الإدارة وله سلطات موسعة ليتولى تسيير الشركة وإدارتها، ليتساءل “كيف تقول الضبطية بومدين متواطئ كأن لديه صلاحيات؟” مشيرا الى التعليمة آ 408 آر 15 التي أثارت جدلا أثناء أطوار المحاكمة، معتبرا بأنه لا يمكن أصلا متابعة الرئيس المدير العام بمخالفتها لأنه غير معني بها وهي تحكم العلاقات بين المسؤول على المشروع والعارضين، ليقول “كيف نقول اليوم مزيان بتواطؤ من بومدين خالف تعليمة آر15 وهما غير معنيين بها ؟“.
تم تلفيق التهم لبومدين عن طريق مقارنة خاطئة
وفي مرافعة للأستاذ مداني دوت قاعة الجلسات وشدت انتباه كل الحاضرين حيث بقي واقفا رغم مرضه الشديد ليدافع بكل قوة عن براءة موكله بلقاسم بومدين، ليتساءل كيف للضبطية القضائية أن تقول بأن موكله خالف التعليمة آر 15، وأمام وابل من التعليمات هطلت من وزير الطاقة –يصرح المحامي – وانعقاد المجلس التنفيذي في 28 اكتوبر2005 لاتخاذ قرار متابعة المشاريع وتقسيم الحصص وهي القرارات التي أكدها الشاهد غزلي والذي قال بأنها اتخذت لضمان سير المشاريع ولمنع احتكار أي شركة لتأتي الضبطية وتقول أن بلقاسم هو من قرر؟ وأضاف “كيف لقاضي التحقيق أن يقارن بين واقعتين مختلفتين اختلاف الليل والنهار ومنشآت المصب والمنبع” وأردف “هذه هي المعايير التي تم استخدامها لتوريط موكلنا واستنادا لتصريحات فغولي عبد الحفيظ نائب الرئيس المدير العام المكلف بنشاط المصب والذي شرح بعظمة لسانه – يقول المحامي – أمام هيئة المحكمة بأن مواقع أرزيو وسكيكدة تتواجد في منطقة صناعية ومختلفة عن منشآت المنبع بالصحراء” ليشير الأستاذ إلى أن بلقاسم بومدين خلال فترة تسييره أمضى 550 عقد ولا يمكن أن نقول أبدا أنه خالف التعليمة “آر 15.
وقال المحامي بأنه في حال وجه الاتهام لبومدين بسبب الصفقات فهناك أشخاص غير موجودين في قفص الاتهام مشيرا إلى أعضاء اللجنة التنفيذية وكذا لجنة الإشراف على المشاريع والتي وافقت على العقود والصفقات، ليقول “كيف يتابع موكلي بعقود مخالفة للتنظيم؟” وأضاف “هل هذه هي مبادئ المحاكمة العادلة اتهام شخص بدون دليل في وقت ننتظر من المحكمة الإنصاف؟” ليؤكد أن الموافقة على التراضي والعقود هي من صلاحيات الرئيس المدير العام وحده الذي منح تفويضا لبلقاسم بومدين للإمضاء، ليعتبر بأن بناء المتابعة على تصريحات غير منطقية للشاهد غزلي سليمان ظلم في حق موكله.