“300 مليارديرا” جمعوا الثّروة من كنس التّراب وتطهير البالوعات !
من فكرة عبقرية بسيطة مستوحاة من أفلام رعاة البقر الأمريكية، بدأ ثلاثة شبان من حيي لاسيتي وبوعقال بباتنة ملحمة الثراء من العدم، فانطلقت مهنة عظيمة أبطالها شبان وأطفال فقراء لجأوا لجمع التراب المتناثر عند محلات الصاغة بحثا عن الذهب، وباعتماد طرق تجميع وتصفية صار أغلبهم من أصحاب الأعمال والمليارات.
قد يبدو تعبير الباحثين عن الذهب مضحكا بيد أن هذه ليست نكتة أسطورية، بل ملحمة شبان كافحوا الفقر بفكرة بسيطة وانتصروا عليه بوسائل بدائية وكيماوية مبتكرة، يجمع جلهم أن الحرقة ليست بديلا للحقرة والإرهاب واللصوصية وباقي الآفات الاجتماعية.. هم وطنيون فعلا لا قولا يقول أحدهم “من الطبيعي أن يدعي الوزراء والنواب والسياسيون والمنتخبون والمعينون ورؤساء الجمهورية الانتماء إلى السلالة الوطنية، لأنهم يحصلون على ريوع ومنح ومرتبات خيالية مغرية من الدولة المعيلة والراعية، لكن أن تكسب قوتك بعرقك وتكون ثروتك من الصفر وبالحلال فهذه هي القيمة الحقيقية للوطنية” في جمهورية الباحثين عن الذهب التي تفتح أبوابها في منتصف الليل وتغلق مع أولى تباشير الفجر.
رزق الفقراء يبدأ عند أبواب الأغنياء
عندما يرخي الليل سدوله ويأوي السكان إلى فراشهم يستيقظ هشام 13 سنة ولامين 14 سنة وكريم 15 سنة عند منتصف الليل للعمل بفرشاة ومكنسة وناقلة يدوية “برويطة” حتى الساعات الأولى للفجر. قد تعتقد للوهلة الأولى أنهم عمال نظافة لولا أعمارهم الصغيرة البريئة.
تراهم ينسلون من منازلهم في حي بوعقال الشعبي وكشيدة وحي النصر، حيث تتراكم تناقضاتهم المعيشية الصارخة وأحلامهم الكبيرة التي سقطت عند أسوار الفقر والحرمان وتحت أسنان الآلة البيروقراطية الرهيبة، لا شغل، لا سكن، لا مستقبل مفتوح، لكنهم لا يلتفتون، فليس أمامهم غير الاعتماد على “فرشاة بسيطة” و”مكنسة” و”كيس بلاستيكي”، يضحك هشام “لماذا أخاطر بحياتي في البحر وفي قوارب الموت، أنا فقير، لكني أكره جملة “ياكلني الحوت ولا ياكلني الدود”، أنا أفضل أن أكون “دودة صغيرة” تأكل بالفرشاة والمكنسة فتات الحيتان الكبيرة..”. “رزق الفقراء عند عتبة أغنياء المدينة” أمثال هشام ولامين كثيرون بأحياء باتنة، وهم يتوزعون في فرق ينقسمون إلى سرايا وخلايا صغيرة من أربعة أفراد بخارطة طريق واضحة تشبه الخريطة العسكرية والاتجاه، عتبات محلات المجوهرات وورش صناعة الذهب التي تتجاوز رقم 1500 ورشة مجوهرات.
في كل ليلة وعندما ينام الشعب والدولة، يبدأ الباحثون عن الذهب عملهم عند أبواب “الذهابجية”، يمشطون بالفرشاة والمكنسة عتبة الباب والشارع المحيط، يجمعون الأتربة وهدفهم في ذلك “الحصول على غبار الذهب والجزيئات الذهبية الذرية” الملتصقة بالتراب التي يحملها الماء والريح ونعال الزبائن أو يكنسها المجوهراتي فور الانتهاء من أعمال صقل ونحت الحلي الثمينة. تشير التقديرات أن كل صياغ يضيع بالضرورة خمسة بالمائة من الذهب المصنع، وهذه الشظايا الضائعة هي الهدف الأول للباحث عن الذهب الذي يفتش عنها ويطاردها في جميع المسارات التي تسلكها. تسمى هذه الحرفة بـ”الزبلة”، لكنها زبلة من ذهب وتدر العجب حين الاسترجاع وكأن نظرية الكيماوي لافوازييه “لا شيء يضيع في الطبيعة، كل شيء يتحول”، هي السر الذي يتقنه هؤلاء رغم علاقتهم المنعدمة مع كتب الكيمياء الحقيقية والكيمياء الوهمية..
مناجم ذهبية مرمية في الشوارع وعتبات 1200 ورشة صياغ بباتنة
يعرف هؤلاء الشبان المحلات المجهولة والمعلومة لصناعة الذهب ويمسحون كافة عتباتها ليلا، يقول أحدهم “نركز كثيرا على التجار والمجوهراتيين الكبار، هؤلاء “يدورون” كيلوغرامات من الذهب يوميا ورقم أعمالهم كبير و الضرورة “زبلتهم ثمينة وكبيرة”. يشرح سمير العمل: “نكنس الأتربة الواقعة عند عتبة الصائغ والشارع المقابل له لنجمعها في كيس او نحملها في نقالة يدوية إذا كانت الكمية كبيرة، هكذا نراكم كيلوغرامات من الأتربة حتى ساعات متقدمة من الفجر، ثم نعود إلى منازلنا لنشرع في تصفيتها وتكريرها في صحون مقعرة مخلوطة بالماء وبعض الأحماض الكيميائية الخاصة مثل حامض الأربعين الذي يساهم في فصل جزيئات الذهب عن التربة والحديد، ثم تجمع الجزيئات لتكون بضعة غرامات من الذهب الصافي والخالص”.
تستغرق عملية التكرير ما بين 5 إلى 6 ساعات، وفي الصباح يعثر الباحثون على غرامات من ذهب يؤكد لامين “نحصل على غرام أو غرامين من الذهب، وأحيانا ثلاثة وأربعة، وأحسب أنت إذا كان سعر الغرام الواحد من الذهب المسترجع (لاكاس) يباع بـ3900 دج فسنحصل على مبلغ 7800 دج في الليلة إذا كان المحصول هو غرامين.. إذا كنت محظوظا فإن الغلة ستكون وفيرة بوفرة الذهب المسترجع”.
الآن فقط، نفهم لماذا قال هشام “نحن دود صغير نأكل فتات حيتان المدينة”، أمر سخيف حقا أن يموت شبان الجزائر في البحر بين أسنان الحيتان الجائعة في البحر وهناك جزر ومناجم رزق غير مستكشفة، بل مرمية عند عتبات محلات المجوهرات وفي الشوارع المفتوحة دون أن يلتفت إليها أحد سوى شبان فقراء، لكنهم عباقرة وأذكياء وشرفاء أعادوا اختراع مهنة البحث عن الذهب من جديد بعد ما ظن الناس أنها مهنة قديمة انتهت مع انتهاء أفلام الويسترن ورعاة البقر ومغامرات “ترينيتا” و”جون واين” و”كلينت ايستوود”!.
“الزبلة” ثروة المستقبل.. أو القصة الكاملة للثورة الصفراء على الفقر
يقصد بالزبلة ثلاثة أنواع من المواد المختلطة بقطع الذهب الصغيرة وغير المرئية بالعين المجردة والتي تتساقط أرضا بمحلات صناع الذهب وتختلط بالتراب. عندما يقوم الصائغ بصناعة قطع المجوهرات تتطاير أجزاء ضائعة من الذهب مثلما تتطاير قطع صغيرة من الخشب بالنسبة للنجار وقطع الحديد بالنسبة للحداد. مهنة الباحث عن الذهب هي تجميع هذه القطع الصغيرة والمتناثرة حبة حبة وذرة ذرة ليتحصل في نهاية المطاف على أجزاء الذهب الصغيرة المسماة بأعشار الغرام أو الديسيات .
من تلك الأعشار أو أقل الأعشار يجمع الغرام بعد الآخر ليحصل على كمية محترمة جاهزة للبيع… إنه عمل أشبه بعمل النمل الذي يجمع فتات الخبز ليكون قطعة رغيف أو عمل النحل الذي يجمع الشهد من الورد ليصنع العسل. القاسم المشترك في كل ذلك الصبر وطول النفس ودقة الجمع، خاصة وأن القطع الذهبية التي تتطاير أثناء قيام الصائغ بصناعة الحلي والخواتيم والأساور و”الفتلة” تلتصق وجوبا بالتراب والغبار والزجاج وقطع النجارة المستعملة لمنع اتساخ أرضية المحل شتاء، كما تتراكم في المغاسل “لافابو” والبالوعات بعد ما يحملها الماء مع كل عملية تنظيف يومي أو أسبوعي. كما تلتصق تلك الجزيئات الذهبية الصغيرة ببعض الأدوات المستعملة في صناعة الذهب مثل “الكروزيات” والطاولات التي يستعملها الصاغة لإنهاء التعديلات الأخيرة لقطع الحلي.
في المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الإفريقية يبحث الباحث عن الذهب عن جزيئات الذهب في الوديان والأنهار، أما في باتنة فيبحث الباحث عن الذهب في السواقي المنتشرة عند عتبات المحلات بعد ما يحملها الماء إلى الشارع أو إلى مجاري الصرف الصحي، وهي ثلاثة أنواع من الزبلة، زبلة التراب او “الكناسة”، نسبة إلى عملية الكنس والتجميع، وزبلة “البرادة”، وهي كلمة عربية خالصة تعني غبار الذهب، وهي في العادة جزيئات ذهبية صافية تسقط أثناء صناعة حلي صافية في مرحلتها النهائية مثل الخواتم، وثالثا زبلة البوليساج وتعني بالعربية ترطيب وتلميع القطع الذهبية، وهي أجود أنواعها لصفائها حين تناثرها إلى ذرات ذهبية نقية جدا وهي غبرة غبار الذهب.

وهناك أنواع أخرى مثل زبلة “غسيل اليدين” أو ما يعرف بـ”لافارس”، وهي ما يلتصق بيدي الصائغ من أجزاء ذهبية يتم تجميعها في إناء أو سطل أو قارورة ليتم تطهيرها من المياه، حيث يستقر الذهب في الأسفل دائما، وتتنوع تشكيلات الزبلة، لكن هذه الأنواع الثلاثة أو الأربعة هي الأكثر شيوعا لدى الباحثين عن الذهب مع اختلافات بسيطة حول بعض الأشكال الأخرى.
وهكذا تفتقت الفكرة التي وجدت لها مرتعا خصبا بحكم انتشار عدد كبير من محلات وورش صناعة الذهب. في البدء كان هؤلاء يلتقطون القطع الذهبية الكبيرة والحرشاء، وشيئا فشيئا ولدت الرغبة في البحث عن أجزاء صغيرة بتطور تقنية الاسترجاع والتكرير باستخدام الصحون وبعض الأحماض، لكن وعندما تدهورت الأوضاع والأمنية والاقتصادية في الجزائر بداية التسعينيات وانتشرت البطالة بشكل فاحش ومستفحل، تمددت قاعدة الباحثين عن الذهب بشكل واضح “بما أن لا شيء كان موجودا، كان كل شيء متاحا لاختراع كل شيء من لا شيء، فالحاجة أم الاختراع”.
نجح جامعي بطال يكنى “علي الكيماوي” في اكتشاف طريقة علمية جديدة في تكرير الزبلة بتصفية “ذرات الذهب” من الأتربة والنفايات الصغيرة باستخدام “ملعقتين” مثبتتين ببطارية، فنجح في الفصل السريع بواسطة ملعقتين مثبتتين ببطارية كهربائية موصولة بسلكين سالب وموجب، حيث يِؤدي ذلك إلى تبخير الماء المخلوط بالنفايات والشوائب الترابية والحديدية لتلتصق الجزيئات الذهبية بمساعدة المغناطيس بالملعقتين ومعها سهلت عملية فصل الذهب الخالص عن الشوائب بسلاسة التكوم والتصلب في باطن الملعقتين.
سمح هذا الاكتشاف المطبق في بعض أنواع الزبلة بتعميم تكرير الزبلة بطرق كيماوية أخرى باستخدام الأحماض، خاصة حامض الأربعين، فولدت ثورة المهنة الجديدة دون توقف، ونبتت على أنقاض تصفية الزبلة تجارة أخرى هي شراء الزبلة من عند المجوهراتيين الذين لم يكونوا على دراية بعد بأسرار تكرير الذهب، وبأن الأوساخ التي يرمونها كل يوم عند تنظيف محلاتهم هي ثروة حقيقية لا تقدر بثمن.
مخابر تصفية تقليدية.. أفران صغيرة.. صحون.. وأحماض كيماوية
الطريقة الأكثر بروزا للعيان هي ظاهرة كنس زبالة التراب، حيث يحتاج الباحث إلى مكنسة صغيرة وفرشاة. ويقوم بتنظيف وجمع التراب الواقع عند عتبات محلات المجوهرات والشارع الممتد على عدة أمتار مربعة، للاعتقاد وجوبا بتسرب جزيئات ذهبية عن طريق الماء أو الهواء إليها واختلاطها بالأتربة. ولا تستثنى هنا حتى الأوراق وأعقاب السجائر والمناديل الورقية وعلب السجائر.. فكل شيء يخرج من محل المجوهراتي لابد أن يعلق به شيء من شذرات وشظايا الذهب.. إما بسبب اللمس المباشر باليدين أو التصاقا بالأثاث والزجاج والأدوات. يقول “حميد الروخو”، وهو شاب مراهق: “كل مادة صلبة أو سائلة توجد داخل محلات السياغ وتخرج منها، هي بالنسبة إلينا محل شبهة ذهبية مصابة بعدوى الذهب الأصفر يجب عدم تركها للصدفة فكل شيء بقدر.. تتمحور مهمتنا في فحصها وتحليلها حتى يتبين لنا الخيط الأصفر ( الذهب) من الخيط الأسود (الزبالة) عند الفجر، أي الحد الفاصل بين الذهب الخالص وما علق به من تراب وحديد وورق وشوائب عضوية أو غير عضوية”.

يعتمد الباحثون عن الذهب على تجميع المادة الخام التي تنقل في أكياس صغيرة أو كبيرة قبل الشروع في مراحل الفرز والتصفية الطويلة. بعد التجميع تتم غربلة المادة الخام بغربال يستخدم للتخلص من الشوائب الخشنة لكن شوائب مثل الأوراق وأعقاب وعلب السجائر يتم حرقها أولا حتى تسقط الشظايا الذهبية العالقة بها في التراب المتراكم. تليها عملية غربلة أخرى للفصل بين الرمل اللين والرمل الخشن ثم يتم تدويرها في صحن مملوء بالماء لأن الماء صديق حميم للذهب يعلق به إلى الأسفل لتأتي بعدها عملية رحي وطحن الغبار الدقيق المحصل عليه. وللتخلص من ذرات الحديد الزائدة يستعمل الباحث عن الذهب قطع المغناطيس “الذكير” لطرحها بعيدا ثم يلجأ إلى استعمال “حامض الأربعين” (أسيد كارانت) ووظيفته النهائية تذويب كل الشوائب والمواد الملتصقة بالقطع الذهبية للحصول على أجزاء ذهبية طاهرة كليا، يتم صهرها أحيانا داخل فرن صغير يتم تجميعها من عملية إلى أخرى عبر ساعات طويلة للحصول على غرامات نقية جاهزة للبيع.. يؤكد “زهير”، وهو شاب وجدناه يكنس شارعا مقابل ورشة مجوهراتي بحي شيخي: “أرش الماء فوق التراب لأجمع القطع المبحوث عنها بالرمل. وأنا هنا أكنس الشارع برمته بسبب سقوط الأمطار، فالمطر يحمل التربة والشوائب المطروحة من داخل المحل على بعد عدة أمتار. إذن يجب الكنس هنا”، قبل أن يستطرد: “كل ليلة أحصل على عدة أعشار الغرام. أجني نحو 2000 دينار جزائري ليليا.
شهريا أجمع ما بين 30.000 إلى 40.000 دينار. وفي بعض الليالي لا أجني شيئا لكنني لن أيأس. قد أحصل يوما على زبالة ذات قيمة. هذه المهنة تشبه لعبة الحظ الكبير قد تحصل على الصفر أو تربح المليون.. مسألة حظ لكن الحظ لا يحالف سوى الكادحين والمجدين. لقد جمع الذين سبقونا في هذه المهنة العجيبة الملايير.. لماذا لا نحقق نحن الملايين فقط”!!
تجارة بيع أكياس الحظ.. والتراب الأسود هو الطريق إلى المجد الأبيض
في بداية التسعينيات انتشرت المهنة بشكل رهيب حتى إن كل أسرة بحي شيخي– لاسيتي- كان لها باحث عن الذهب. فهي مهنة بسيطة تدر مالا من الصفر. هكذا بدأ شبان المدينة فورة شراء الأتربة من الصائغ، بل يوصونهم بتركها لهم يوميا أو أسبوعيا مقابل 5000 دج و10000 دينار جزائري. ومع تطور المهنة والطلب المتزايد ولدت فكرة الشراء من ولايات مجاورة كبسكرة وقسنطينة وقالمة وسطيف، وانتقلت إلى العاصمة والشلف ووهران وسيدي بلعباس وكل ولايات الوطن، حتى إن قيمة الزبالة ارتفعت إلى 50 مليون سنتيم و100 مليون وبلغت سقف 300 مليون.. “سليم”، 33 سنة، واحد من الرواد يقول: “لم أترك مدينة جزائرية إلا وزرتها. اشتريت الزبالة أو “الكناسة” من جميع صاغة الجزائر، الذين لم يكونوا يعرفون أن الأتربة التي كانوا يتخلون عنها لنا تحمل في طياتها أجزاء ذهبية ذرية كنا نحن نكرر كيلوغرامات منها للحصول على كميات محترمة من الذهب. أذكر مثلا أنني اشتريت كيس زبالة من وسط البلاد بـ 20.000 دينار أي بمليوني سنتيم. بعد أيام من التكرير والتصفية حصلت على 1.2 كلغ من الذهب.

زميلي قويدر اشترى كيسا مماثلا حصل منه على مبلغ 56 مليون سنتيم.. بعض الصاغة كانوا يتخلون لنا عن الزبالة دون مقابل. كانوا يرون فينا أشخاصا “مجانين” قذف بهم القدر لتخليصهم من نفايات لم يكونوا يعرفون كيفية التخلص منها منذ سنين.. نحن كنا نضحك.. بالنسبة إلينا حتى المياه المتراكمة في “المغاسل” نأخذها. وهي الأغلى والأثمن والسبب أن القطع الذهبية تلتصق بأيدي الصائغ أثناء عمليات الترطيب والتلميع والصقل المختلفة. وهذه تسقط إلى المغاسل، يقول وحيد: “أعرف جميع بلديات الوطن. زرتها لشراء الزبالة التي أصبح بيعها تجارة قائمة بذاتها تخضع للحظ والشطارة. تخيل أن هناك زبالة تباع بـ 10 ملايين وحتى بـ 50 مليون سنتيم لكن إذا لم تكن محترفا في معاينتها فستذهب ضحية صاغة غشاشين ليس لهم دين ولا ضمير. الوضع تغير اليوم. لابد أن تشتري “الصائغ” قبل أن تشتري زبالته بمعنى أن تقصد الثقاة منهم فقط.
وحيد شق مستقبله بنجاح.. أوضاعه المادية مستقرة تدفعه إلى ترديد جملة ساخرة أصبحت اليوم شعارا شبانيا ساخرا “لست في حاجة لا لأمير ولا لوزير أنا الملك.. أملك مسكنا فخما وزوجة صالحة وسيارة فارهة هي نتاج عملي في البحث عن الذهب”. أما أطرف ما وقع له منتصف التسعينيات فحدث قرب مدينة الشلف حيث استوقفه حاجز للدرك. وأثناء تفتيش سيارة الأجرة لفت كيسه المملوء بتراب الزبالة نظر دركي وكان اشتراه من مجوهراتي بـ 15 مليون سنتيم.. في البداية ظن أنه إرهابي مكلف بحفر المخابئ ونقل ترابها لرميه بعيدا عن أعين مصالح الأمن، ثم أطلق الدركي سراحه مبتسما بعدما قال له: “أنا باحث عن الذهب” انفجر الدركي ضاحكا ودعا زملاءه الذين التفوا حول وحيد ليشرح لهم تفاصيل المهنة العجيبة. لم يصدقه أحد لأن أكبرهم مازحه في النهاية بعبارة “يبدو أنك متأثر يا صديقي بالسينما وأفلام الويسترن. إذا كنت أنت باحثا عن الذهب فأنا مدير البنك السويسري”.
اليوم لم يعد وحيد مجرد باحث.. صار مهندس تصفية وتكرير ولتحكمه في تقنياتها صار يتعامل مع تجار الذهب، الذين اكتشفوا متأخرين خدعة سنوات طويلة كانوا يتخلون فيها أو يبيعون الزبالة دون التفكير في استرجاع مئات الملايين الضائعة منها. هو اليوم يتولى هذه المهمة مقابل 17 في المائة وأحيانا 25 في المائة من البضاعة وهو يتعامل مع مجموعة صاغة بالاتفاق والثقة المتبادلة. يقول: “إذا استخلصت ما قيمته 50 مليون سنتيم فلي فيها 25 في المائة أي 12.5 مليون سنتيم وإذا لم أحصل على شيء فليس لي فلس واحد لكن الحمد لله الأمور أكثر من رائعة أحيانا أربح 100 مليون دفعة واحدة”. الكثير من الباحثين القدامى اختار التخصص في التكرير الذي يحتاج إلى المهارة. بعضهم طور تقنيات تكرير خاصة به بمطالعة الكيمياء وتصفح الإنترنت.
من باحث عن الذهب إلى مقيم بالمكسيك وأكبر منتج للحليب بولاية باتنة
الشاب إبراهيم .ح، المكنى “الأشبي”، لا يتعدى عمره 40 سنة، هو اليوم إمبراطور يدير أعماله في ورشة لصناعة المجوهرات تحرسها عدة كاميرات مراقبة. يتذكر بداياته المتواضعة في عالم البحث عن الذهب “عندما بدأت هذه المهنة الشاقة والسهلة والممتعة كنت ألتقط الزبالة من السواقي الواقعة عند عتبات ورش صناعة المجوهرات أحيانا كنا نتلقى ركلات من صناع ذهب غاضبين من التشويش عليهم أو التنغيص عليهم” لم ييأس بل واصل التقاط الزبالة ومسح زجاج محلات الصاغة. ولأن النتائج كانت مشجعة بعد حصوله على عدة غرامات مفيدة تطورت مطامحه نحو اصطياد الكيلوغرامات وشيئا فشيئا -يضيف- بدأت أشتري الزبالة من ولايات مجاورة خاصة من مدينة قسنطينة التي كانت تمتلئ بمحلات مجوهرات اليهود قبل مغادرتهم البلاد.

ويرجع سبب استهداف محلات اليهود لكونهم كانوا يحتفظون بزبالة عمرها عشرات السنين. يؤكد: “اشتريت يوما “زبالة” من تاجر قسنطيني بـ5000 دج بالكاد اقتنع بتسلمها لأنه كان يريد أن يعطيني إياها مقابل كنس وتنظيف محله من دون أن يخطر بباله أن ما منحني كنز حقيقي استخلصت منه ذهبا خالصا بعته بـ100 مليون سنتيم”، كذلك كان الأمر مع تاجر بسكري اشتريت منه زبالة بـ15000 دج استخلصت منها ذهبا بعته بـ(200مليون سنتيم). شق إبراهيم طريقه بالكيلوغرامات المسترجعة حتى كون رأسمال محترم من الذهب المسترجع مهد له الدخول إلى عالم تجارة الذهب.. هاجر بعدها إلى المكسيك وتحديدا إلى العاصمة أكابولكو، حيث مارس أعمالا حرة مدة ست سنوات كاملة.. وعاد مجددا إلى باتنة ونشط في مجال العقار قبل أن يتحول إلى الفلاحة.
اليوم يملك الشاب إبراهيم مزرعة كبيرة ومستثمرة فلاحيه أنشأها بستة ملايير سنتيم جعلت منه أكبر منتج لمادة الحليب بولاية باتنة. لا ينكر إبراهيم (أش. بي) فضل البحث عن الذهب عليه. يعترف بعفوية كبيرة وثقة بالنفس بأنها كانت طريق الحرير الذي قاده اليوم نحو عالم الرخاء المادي يقول “بفضل العمل والتعب الذي بدأته في مجال البحث عن الذهب منذ نهاية الثمانينات إلى منتصف التسعينات كونت ثروتي بعرق جبيني ودون مساعدة أحد كان يمكن أن أبقى في أكابولكو لكني قررت العودة فلا مستقبل لك سوى في بلدك”.
يؤكد إبراهيم بلسانه “هناك 300 ملياردير باتني” “شركة قادرة” من ممن أعرف هم ثمرة خالصة وطازجة لحرفة البحث عن الذهب خلال السنوات الماضية.. منهم من يقيم في إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا ويديرون شركات ومؤسسات خاصة وأعمالا ناجحة جدا.. أما الشبان من الجيل الثالث من الباحثين عن الذهب فأغلبهم يملك سكنا وسيارة وكون أسرة من دون الاعتماد على أحد. إبراهيم ليس الوحيد فكثيرون ابتسم لهم الحظ، فأحدهم استخلص كيلوغراما من الذهب من زبالة غسيل يدي مجوهراتي ومن نصف قنينة مياه معدنية، آخر حصل على مبلغ 100 مليون عندما كرر زبالة الأساور (المسايس) كانت متراكمة مدة عام تقريبا لكن الحظ لا يداعب سوى المحترفين الماهرين، فبواسطة الرؤية الدقيقة والتلمس يستطيع الممتهن معرفة قيمة الزبالة ومحتوياتها من الذهب الخالص، مثل كمال، الذي اشترى حفنة بـ2500 دج واستخلص منها ذهبا باعه بـ50 مليون سنتيم. ولا تتوقف الأمثلة هنا، فعشرات الشبان حققوا ثروة من البحث عن الذهب واستطاعوا أن يخلخلوا الخريطة البشرية والاستراتيجية لظاهرة التجارة بالذهب داخل المدينة وخارجها وعبر كافة مناطق الولاية لقد نجحوا أخيرا بفضل رأسمال البحث عن الذهب في إحداث التحول الاجتماعي والسوسيولوجي والاقتصادي من البحث عنه إلى صناعته منافسين بذلك طبقة التجار التقليديين.
“زبالة” مقابل عقار يفوق 1.2 مليار وشاب يسترجع 7 كلغ في عملية واحدة
قصة نجاح الباحثين عن الذهب بباتنة كانت إلى وقت قصير مضرب للمثل في كيف تصبح مليارديرا في لحظة حظ وكيف تكون رقما مهما من العدم أو الصفر حتى لو اقتضى الأمر شراء زبالة التراب بـ300 مليون سنتيم، يقول عومار “فعلا هناك زبالة بيعت بثلاثمائة مليون سنتيم وهناك من قايض زبالة بمنزل يقدر سعره بمليار ومائتي مليون سنتيم”، وبعيدا عن مقايضات زبالة التراب بالعقار والسيارات فقد تحول بعضهم إلى”أباطرة” مال و”قياصرة” أعمال في فرصة عمر وحيدة لكنها ضربة قاضية على الفقر المدقع.. فتحي لم يكن شيئا مذكورا قبل سنوات لكنه اهتدى إلى شراء زبالة صياغ منطقة وادي الطاقة “أنا فضلت المراهنة على عامل الزمن لما كنت أشتري الزبالة أسبوعيا أو شهريا كنت أقول دائما “إذا كان المثل الشاوي يقول “المال يشق طرقا في السماء”، فإنني كنت أردد لزملائي دائما “لفكاير هي الطريق إلى الشكاير والشكاير هي الطريق نحو الملاير” “..
وفكرة فتحي أنه كان يدفع في كل مرة 4 أو 5 ملايين للحرفيين المشتغلين ببعض ورشات بوحمار فيما يحتفظون هم له بزبالة المحلات على مدار العام، ليقوم بعد ذلك بتكريرها وتصفيتها وابتسم له الحظ، محققا سبقا غير مسبوق في عالم تصفية الذهب عندما استخلص 7 كيلوغرامات لم تصنع له طريقا في السماء كما يقول المثل الشاوي بل أصبحت السماء طريقه كما يقول واقعه الجديد. فعبد القادر الذي كان معروفا باسم “القمارجي” لتعاطيه القمار بشكل مسرف أصبح اسمه عبد القادر
” اللانغو” أي عبد القادر “صفيحة الذهب” بعدما أعلن توبته والتزم الصلاة والعبادة واختار طريق البحث عن الذهب سبيلا ومخرجا من أزمته الروحية والمادية. مرة ذهب إلى العاصمة بعدما بلغه وجود صائغ قديم بها كان يتطوع بزبلته لبعض أفراد الجيش لنصب رشاشاتهم الآلية فوقها في فترة التسعينات من دون أن ينتبه أحد إلى أن السلاح الصاحي في وجه الإرهاب الأعمى كان ينام فوق أكياس الذهب الخالص.. عندما سأل الصائغ عما إذا كان بإمكانه أن يبيعه كيسا واحدا فقط صرخ الصائغ في وجهه بأدب “عندي عدة أكياس من التراب مخزنة في الحانوت منذ 20 سنة خذها لا حاجة لي بها”، اشترى عبد القادر ستة أكياس مقابل 4 ملايين سنتيم فقط، قبلها البائع على مضض لأنه تعود على منحها مجانا لعناصر الجيش لاستخدامها كسواتر وكركائز تثبيت الرشاشات الآلية من نوع أفمبيكا في منطقة قريبة من جبل كوكو. وبقدرة قادر تمكن التائب عبد القادر من استخراج عدة كيلوغرامات من الذهب ليصبح تاجرا ثريا يملك اليوم ست محلات وعدة أملاك عقارية فخمة وسيارات فارهة.
رحلة البحث في “الروقارات” والمجاري المائية والوديان
منذ سنوات أصبحت مداخيل الباحثين عن الذهب شحيحة، بعدما وصلت أسرارها كاملة إلى الصاغة الذين شرعوا في خطة مضادة لاسترجاع الزبالة التي كانت تضيع منهم دون تقدير قيمتها المالية الكبرى. بعضهم يلجأ إلى غسيل اليدين في إناء خاص يحتفظ به حتى لا تتسرب الذرات الذهبية إلى خارج المحل. كما يقومون بجمع بقايا عملهم ليقوموا بتصفيتها وتكريرها بأنفسهم أو بدفعها لدى مكرر محترف مقابل 17 أو 25 بالمائة حسب تعاملات السوق الجديدة.. بهذه الطريقة يعمل أغلب الصاغة اليوم تفاديا لضياع الذرات الصغيرة خاصة بعد ارتفاع سعره فهو يباع اليوم بـ5500 للغرام للصافي وبـ3900 للمستعمل(لا كاس).
وفي اتجاه مضاد لجأ الباحثون عن الذهب إلى طريقة أخرى هي دراسة مخططات البالوعات ومجاري المياه الواقعة على مقربة من محلات صناعة المجوهرات يقول أحدهم (نحدد البالوعة التي يصب فيها مجرى مياه محل الصائغ المستهدف ثم نقوم بفتحها ليلا وتجميع المياه الطينية المترسبة بالقاذورات نعبئها في أوان ثم نغلق البالوعة لنشرع في عملية تصفية وتكرير الزبالة المسترجعة لنحصل في نهاية العمل على غرامات لا تقدر بثمن)، ويحلم هؤلاء اليوم بتكرير وتصفية وديان باتنة جميعها، حيث يعتقدون جزما أن بها كنوزا غير مستثمرة من الذهب المترسب مدة عقود من الزمن بعدما طرحته قنوات الصرف الصحي لمحلات الصاغة البالغ عددهم أكثر من ألف على مستوى الولاية. يشرح كريم وهو باحث عن الذهب ذلك (من المنطقي جدا أن يكون الذهب في مجاري المياه إنها وديان اصطناعية تشبه الوديان الطبيعية ولأن الصائغ الذي ينظف محله يقوم بجر القطع الذهبية الصغيرة إلى مجرى مياهه وهذه تمر حتما لتستقر في بالوعة الحي أو في وديان المدينة).. هكذا تمكن شاب من شراء بالوعة “روقار” تقع في محل مجوهراتي (لأن كل صائغ يملك بالوعة داخل المحل يستعملها كأداة استرجاع الذهب المتساقط مع المياه) بقيمة 780 مليون سنتيم وتمكن من تعويض ذلك بتكريره وتصفيتها وشراء سيارتين ـ آخر طرازـ من نوع بيام دبليو ومرسيدس.

ولم تتوقف سلسلة النجاحات هنا فسمير، محدثنا يقول “أنا اشتريت “روقار” واستخلصت منه 1.2 كلغ من الذهب”، أما أطرف وأغرب حكاية، فوقعت لشاب استأجر محلا كان يشتغل به صائغ مشهور في صناعة “الماسيف” مدة سبع سنوات كاملة وطوال تلك المدة تراكمت أتربة الذهب والزبالة بمحله وداخل البالوعة ليفلح بعد فتحها وتنظيفها في استخلاص نفايات حصل منها بعد تكريرها وتصفيتها على3.270 كلغ من الذهب باعه واشترى منزلا له ولشقيقه ووالده وسيارتين فارهتين”.
رغم أن سنوات المجد توشك على الانتهاء بعدما شهدت هذه المهنة تراجعا بعد انكشاف أسرارها، غير أن البعض لا ييأس من تحقيق معجزة ثانية وقليل منهم لا يزال يعتقد بالحظ، لكن الكثير منهم تحول نحو طريقة أخرى، حيث البحث عنه في الأماكن الأثرية وفي مقابر قدماء النوميديين والرومان بل وفي مناطق محددة بواسطة أجهزة رصد حساسة وتلك رواية أخرى تؤكد أن الهنود لم ينتهوا بنهاية آخر هنود قبائل الموهيكان.