36 مليون دولة.. في ”دولة”؟
إذا صحّ – وكلنا متأكدون أن ذلك صحيح، بل وما خفي أعظم – أن “رجلة” الزمن البائس القديم قد عادت بقوة، خاصة في المدن الكبرى، فمن حقنا أن نخاف من مستقبل صرنا نبحث فيه عن نقطة بياض فنعجز عن إيجادها، وإذا صحّ أن بارونات السموم صاروا يمنعون مصالح الأمن من الاقتراب من معاقلهم، وأكثر من ذلك يحرّرون معتقليهم بالقوة، ويهاجمون مراكز الأمن لأجل فك أسرهم، فمن حقنا أن لا نخاف على مستقبلنا فقط وإنما أيضا على ماضينا.
بعض المواطنين الذين اقنعوا بأن فرصتهم قد حانت لأجل حل مشاكلهم بأنفسهم دون انتظار وعود يعلمون أنها لن تتحقق، وبرامج غالبيتها أقوال وصور وخرائط، انتقلوا الآن إلى ما هو أخطر وهو وضع قوانين خاصة بهم وتطبيقها بالقوة، وما حدث في خنشلة وتبسة عندما سنّ أناس قوانين فدية بمباركة الإدارة، وما حدث في قسنطينة عندما منع مواطنون رجال الأمن من القبض على مجرم وأصروا على أن يعاقبوه بأنفسهم، هو نتاج أحداث صارت تتكرر من بارونات وجماعات أشرار يحاولون تطبيق قانون الغاب بالقوة أمام رجال الأمن، فما بالك أمام عامة الناس.
ولأن زلات القاعدة من زلات القمة، فإن تعامل الدولة على مدار سنوات مع الإجرام هو الذي أدخله دائرة أسلوب حياة، فالجزائر هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح سكنا في احتفالية كبرى لمواطن بنى القصدير على أرض غيره، واستنار بالكهرباء العمومية بالمجان، وهي الوحيدة في العالم التي تمنح للتجار الفوضويين الذين يبيع بعضهم المرض والوباء للناس المحلات التجارية وتمنع عنهم الضرائب وحتى الرقابة، وهي الوحيدة التي يستولي فيها اللصوص الكبار على أخضر البلاد ويابسها ويستوردون الداء والأسقام فتسميهم رجال أعمال وأعيان البلاد، فكان طبيعيا أن تدخل البلاد في دوامة صار فيها الإجرام خبزا يوميا حتى لا نقول هواء يتنفسه المواطنون.
وقد يكون وزير التجارة رغم أن خرجته جاءت بعد الوقت بدل الضائع وهو على مشارف الرحيل قد قال كلمة حق، عندما قال أن التجارة الفوضوية تشكل خطرا على الأمن القومي، لأن ما يحدث من جرائم على أرصفة الشوارع أخذ أبعادا اقتصادية جعلت بورصة الجزائر على الطرقات، وتجارية بمنع الجزائر من دخول منظمة التجارة الدولية، وصحية عندما صارت المواد الغذائية تباع تحت درجة الخمسين ومياه المجاري تجري من تحت طاولاتها، وخاصة أمنية عندما صاروا يتحكمون في حركة الشارع ويهددون البلاد بخريف أكثر قتامة من ربيع الدول العربية.
ومع كل ذلك، مازالت السلطة تمنح لهاته “الدول” التي تنمو مثل الفطريات أسباب البقاء والتطوّر بتغييب الحكومة التي لا أحد يعلم متى الإعلان عنها، وبتغييب دور البرلمان الذي دخل في عطلة بلغت أربعة أشهر رغم أنه لم يتسلم منصب عمله بعد.. والنتيجة أن البلاد تمشي حاليا بـ36 مليون دولة داخل ما يسمى مجازا..؟