4000 دولار لحماية أطفال غزة من القتل
بدأ الاجتياح البري الصهيوني لقطاع غزة، وإن لم يكن هو ما يخشى منه على المقاومة التي قد تهيأت للأسوأ منذ سنين، وهي أكثر استعدادا لهذا النوع من القتال الذي يقرب منها العدو، ويلغي كثيرا من عوامل التفوق النوعي الصهيوني ومنه سلاح الطيران، وقد شهدنا في الاعتداءت الصهيونية السابقة، في غزة، وجنبن، وجنوب، لبنان كيف أصبح من المستحيل على الكيان الصهيوني تحقيق التفوق على الأرض مع ضخامة ترسانته.
غير أن فعالية المقاومة سوف تكون أكبر، لو أنها ملكت وسائل خاصة لحماية المدنيين، سواء من القصف الجوي أو من تداعيات قتال الشوارع، وأهل غزة لا يملكون مثل بقية الشعوب، لا الفرصة ولا الحق في الابتعاد عن مواقع القتال بالنزوح الداخلي، أو بالهجرة إلى دول الجوار.
وهذا عندي هو أكبر جريمة تسجل على العرب والمسلمين حكاما وشعوبا، وقد علم الفلسطينيون منذ النكبة الأولى أنه لا يجوز الرهان اليوم وغدا على نجدة عربية هي مرتهنة لعقود قادمة، وليس العرب في كل الأحوال مطالبين بالقتال نيابة أو إلى جنب الفلسطينيين، حتى وإن كان هذا واجبهم الشرعي والقومي، لكنهم مطالبون شرعا وبموجب القوانين الوضعية بتوفير الحماية للفلسطينيين المدنيين، حماية لا تكلفهم سوى القليل من المال.
فقد كان بوسع العرب منذ العدوان الأول على غزة أن يفكروا في توفير حماية مادية للمدنيين في غزة بعد التحرير، بتصور وتنفيذ برنامج واسع لبناء ملاجئ آمنة لسكان غزة كما فعل الصهاينة مع المعمرين، تقيهم على الأقل مثل هذا الاستهداف الإجرامي الذي يتصيد الأطفال والنساء والشيوخ، ويسمح اليوم للمرجفين بتوجيه اللوم للمقاومة، واتهامها ظلما، كما يفعل الصهاينة بالاختباء خلف المدنيين، بل واستعمالهم كدروع بشرية.
البرنامج ليس فوق طاقة العرب، بل قد يختبرون شعوبهم بدعوتهم إلى التبرع لتنفيذ هذا البرنامج، مع منح الجامعة العربية غطاء سياسيا لمصر، من أجل فتح معبر رفح لدخول مواد البناء وفرق الإنشاء العربية المتطوعة، وقد تكون فرصة لإحراج المجموعة الدولية بالذهاب إلى مجلس الأمن، واستصدار قرار يمنح العرب حق توفير هذا النوع من الحماية الإنسانية للمدنيين، ومعه حق العرب في توفير المرافق الأساسية للحياة من طاقة وكهرباء ومياه شرب وغذاء دون حتى الحاجة إلى قرار ملزم برفع الحصار الذي تشترط له المجموعة الدولية الظالمة استسلام الفلسطينيين الكامل وتنازلهم الطوعي عن حق المقاومة.
تحريك مثل هذا البرنامج، الذي يشكل الحد الأدنى من واجب التضامن مع الفلسطينيين، هو بيد الشعوب العربية ونخبها السياسية، والدينية، والإعلامية، باستطاعتها أن تفرضه على الحكام وعلى المجموعة الدولية، وتعفيهم حتى من تمويله بالتوجه إلى التضامن الشعبي، حتى نختبر مقدار صدق ما نسمعه ونشاهده من بكاء على الأطلال، لن يحمي أطفال غزة من القتل الصهيوني المنهجي.
ولمن شاء أن يحسب الكلفة بالدولار، فإن بناء مائة ألف ملجأ بسعة عشرين نفس، وبكلفة 80 ألف دولار للملجأ الواحد، لن يكلف العرب أكثر من 8 ملايير دولار، أي بكلفة 4000 دولار للفرد الواحد، توفر حماية كافية لمليونيّ فلسطيني مهددين بالقتل، فهل قيمة الطفل الفلسطيني تساوي عندنا أقل من ثمن جهاز بلازما نشاهد عليه أشلاءهم وهي تتطاير بين الغبار؟