480 إطار جزائري يعودون من الهند بخبرات تقفز بمسارهم المهني!
سفيرة نيودلهي لـ”الشروق”: هذه تفاصيل تكوين الجزائريين وفرص التعاون الاقتصادي
لم يكن السفر إلى الهند مجرد تكوين مهني، بل فرصة لتبادل الخبرات واكتشاف مقاربات جديدة في مجالات الابتكار والتنمية، هناك، حيث تلتقي التقاليد بروح العصر، خاض الإطارات الجزائريون تجربة فتحت أمامهم آفاقا أوسع لتطوير كفاءاتهم وتعزيز مساهمتهم في بناء الاقتصاد الوطني.
استفاد أزيد من 480 إطار جزائري من مختلف القطاعات خلال السنوات الأخيرة من برنامج التكوين الدولي الهندي الشهير “آي تيك”، الذي تنظمه حكومة نيودلهي لفائدة الدول الصديقة.
ويتيح البرنامج دورات قصيرة في مجالات تمتد من الفلاحة والتكنولوجيا الخضراء إلى الذكاء الاصطناعي والمقاولاتية تخصصات أخرى، ضمن قائمة تضم أكثر من مائة عنوان تكويني.
ويُعد “آي تيك” مبادرة هندية للتعاون التقني والاقتصادي الدولي، أُنشئت في 15 سبتمبر 1964 تحت إشراف وزارة الشؤون الخارجية الهندية، وهي من أقدم وأوسع برامج التكوين والمنح في العالم النامي.
ويهدف البرنامج إلى تعزيز قدرات الإطارات في الدول الشريكة، من خلال دورات متخصصة تنظمها أبرز المؤسسات والمعاهد الهندية في مجالات مختلفة.
وكانت هذه الحصيلة محور احتفال خاص حول يوم “آي تك” أقامته سفارة الهند بالجزائر مساء الخميس الماضي بمقر إقامتها، بحضور عشرات الجزائريين المستفيدين من البرنامج، الذين تقاسموا قصصهم وتجاربهم بعد عودتهم من الهند.
وفي هذا السياق، صرحت سفيرة الهند بالجزائر، الدكتورة سواتي فيجاي كولكارني في كلمتها الافتتاحية قائلة: “الجزائر والهند تتمتعان بعلاقات صداقة دافئة، طويلة وعميقة، ونتقاسم ماضيا مشتركا صعبا، أنتم حاربتم الاستعمار الفرنسي ونحن حاربنا الاستعمار البريطاني، وقد دعمنا بعضنا البعض”.
وأوضحت أن هذه العلاقات تمتد إلى الحاضر والمستقبل، مشيرة إلى أن زيارة رئيسة الهند إلى الجزائر في أكتوبر 2024 “فتحت عهدا جديدا من التعاون بين البلدين، لأننا نتقاسم رؤى مشتركة في الجنوب العالمي ونؤمن بمستقبل مزدهر يقوم على العدالة والتنمية المشتركة”.
وأكدت السفيرة أن أكثر من 480 إطار جزائري، استفادوا من برنامج التكوين القصير، موضحة أن الهند “تمنح سنويا نحو 70 مقعدا للجزائر في تخصصات متعددة، من الفلاحة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وغيرها”.
وقالت: “أنا سعيدة لأنكم زرتم الهند واطلعتم على التقدم والتنوع الثقافي الذي نتميز به، لدينا أسرع نمو اقتصادي في العالم، نحن رابع أوسع اقتصاد وسنصبح الثالث قريبا، حجم اقتصادنا اليوم 4.2 تريليون دولار، ومؤخرا بلغ السوق المحلي 7.8 مليار دولار، وهذه قوة حقيقية”.
وأضافت أن الهند لا تعتبر “آيتيك” مجرد برنامج وطني، بل مشروعا دوليا يربط أكثر من 160 دولة، مؤكدة: “أكثر من 40 ألف إفريقي استفادوا منه، ونأمل أن تتقاسموه هنا في الجزائر مع أصدقائكم في الجامعات وغرف التجارة حتى يتعرف عليه الجميع”.
وفي تصريح خاص لـ“الشروق”، أكدت السفيرة أن التعاون الاقتصادي بين الجزائر والهند سيشهد تطورا متزايدا في مجالات الصيدلة والصناعة الغذائية خلال سنة 2026، مع اهتمام متنامٍ من شركات السيارات والحافلات الهندية بدخول السوق الجزائرية، على غرار تاتا موتورز.
وقالت أيضا: “لدينا علاقات اقتصادية مهمة، وزيارة الرئيسة الهندية للجزائر عززت هذا التعاون، المحادثات بين القادة مستمرة في مجالات السياسة، التربية، الثقافة، والاقتصاد.، حجم المبادلات بلغ 1.7 مليار دولار وهناك فرصة حقيقية لمضاعفته، فمناخ الأعمال ممتاز والتعاون سيتعمق أكثر على مستوى الحكومات وغرف التجارة”.
جزائريون يروون تجاربهم في الهند
ومن بين المستفيدين الذين تحدثوا خلال الأمسية، طاهر شاوش، إطار بالوكالة الوطنية لترقية المقاولاتية “نسدا” في بجاية، الذي قال: “لم تكن الرحلة إلى نيودلهي مجرد تكوين أكاديمي، بل تجربة ثقافية وإنسانية، اكتشفت دولة تجمع بين التقاليد العريقة وتقنيات المستقبل، وتفاجأت باللطف الإنساني والانفتاح الكبير، تعلمت الكثير من المهنية والاحترافية العالية، وتقاسمت المعرفة مع متدربين من مختلف أنحاء العالم في مجال المقاولاتية والبنوك وهذا أثر بشكل كبير على مساري المهني”.
من جهته، صرّح غلاي عماري، أحد إطارات الوكالة الوطنية لترقية المقاولاتية “نسدا”، أنه استفاد من تكوين نوعي بالهند ضمن برنامج “آيتك”، واصفا التجربة بأنها “غنية على المستويين المهني والإنساني”. وأوضح أن البرنامج مكنه من الاطلاع على النموذج الهندي في الابتكار وريادة الأعمال الرقمية، القائم على الدمج بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي، مضيفا أن جودة التكوين ظهرت من خلال التأطير العالي والمحتوى العملي المتخصص.
وأشار عماري إلى أنه يعود اليوم إلى الجزائر برؤية أوضح حول سبل تعزيز روح المبادرة والمقاولاتية التكنولوجية داخل المؤسسات الناشئة، مؤكدا أن ما اكتسبه خلال التجربة سيُسهم في تطوير برامج الوكالة وربطها أكثر بالتحول الرقمي العالمي.
من جهتها، صرّحت هاجر غدوة، إطار بوزارة التربية الوطنية، أنّ مشاركتها في التكوين بالهند ضمن برنامج “آيتك” كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، قائلة: “كان حلما، وأنتم حققتموه، لقد منحتني هذه التجربة فرصة لاكتساب معارف جديدة في مجال تطوير المهارات التربوية والتسيير الحديث للمنظومات التعليمية، وفق مقاربات رقمية وابتكارية متقدمة”.
وأضافت أن التكوين جمع بين الدقة العلمية والبعد الإنساني، إذ مكّنها من التعرف عن قرب على الثقافة الهندية الغنية والمتنوعة، قائلة: “أُعجبت بمدى انفتاحهم وترحابهم بالجميع، وبقدرتهم على التعايش رغم الاختلافات الدينية والثقافية. وجدت هناك المسجد إلى جانب المعبد، والكنيسة قرب المعاهد والجامعات، وحيثما ذهبت شعرت بالأمان والاحترام المتبادل، الهند بلد يجمع بين العلم، والروح، والصناعة… حتى المعادن والطاقة تراها متجسدة في الحياة اليومية”.
وختمت غدوة تصريحها بالتأكيد على أن التكوين كان عميقا وفعّالا، أتاح لها فهما أوسع لكيفية توظيف التكنولوجيا والابتكار في التعليم، مؤكدة: “ما تعلمته هناك سأحمله معي لتطوير بيئة العمل التربوية في الجزائر، ولإلهام أجيال جديدة تؤمن بالمعرفة والانفتاح”.