التغماس وتكسار الرّاس!
الدفع نحو تجريد الولاة من صلاحية منح رخص الاستثمار عبر الولايات، وبالتالي من التفاوض سرّا أو جهرا مع “البقارة” وأصحاب “الشكارة” ورجال المال والأعمال وكبار المستثمرين وصغارهم.. هذا المقترح إن تحوّل إلى “قانون”، سيُغضب دون شك البعض ويُريح البعض الآخر من “تكسار الرّاس” وكلام الناس عن شبهة “التغماس”!
الكثير من المستثمرين يتهمون الإدارة بالبيروقراطية، لكن ولاة يتهمون مستثمرين بالتلاعب و”الهفّ”. والنماذج، حسب العارفين بهذه “القنبلة”، يُعطون الحقّ للطرفين. فهناك مستثمرون ورطوا إداريين ومسؤولين محليين في “الماكلة” باسم العمولة و”التشيبا”. وهناك بالمقابل مستثمرون وحتى تجار علّموا إداريين فنون الاستفادة!
الإدارة المحلية مشكلة، مثلما يعرفه الجميع، من الوالي ورئيس الدائرة والمير، إضافة إلى مديري القطاعات والمصالح. وأحيانا هذا النوع الأخير يكون أقوى وأكثر سلطة ونفوذا من النوع الأول، وليس غريبا عندما يشتكي مثلا وزير من وال، أو يشتكي وال من رئيس دائرة، أو “يندب” رئيس دائرة حظه بسبب مير أو “حتـّى” مدير!
هكذا هي البيروقراطية، لا لون ولا طعم ولا جنس ولا دين ولا صديق لها، ولذلك، تضيع المصالح العامة، على مستوى الجماعات المحلية، ويستفيد مستثمرون وفلاحون وتجار من “التسمين”، فيما يُواجه آخرون “التجويع”، وفي الحالتين يطلّ مبدأ “دهن السير يسير” من خلف أسوار الإدارة، وربما من “الدهانين” من يدفع ويبلع وينزل ويطلع، ومنهم من يُلقى عليه القبض مع سبق الإصرار والترصّد!
من غير الطبيعي أن ترقد استثمارات بولايات، ولا تستيقظ رغم مرور سنوات على تسليمها شهادة الميلاد، وإذا استيقظت فإنها جثة هامدة، بلا إنتاج ولا إنتاجية، وبالتالي “موتها خير من حياتها” مثلما يقول المثل الشعبي المتداول وسط البسطاء وحتى النزهاء!
هناك مسؤولون بالولايات والدوائر والبلديات، يستحيل أن ينجح وينطلق معهم الاستثمار، لكن بالمقابل، هناك أيضا مستثمرون وفلاحون وتجار يستحيل التفاهم معهم حتى وإن امتلك المسؤول خاتم سليمان أو عصا موسى. ولهذا، فإن التعديلات المنتظرة على قانون الاستثمار، ستكون مفيدة إذا اعتمدت على “الإصلاح” والتنقيح الهادف إلى وقف “التجييح”!
هناك ولايات “التهمت” الملايير دون أن يظهر عليها خير الاستثمار، بالمختصر المفيد لأن “الماكلة تحت الطابلة” بعثرت الغلّة، فكان بعدها سبّ الملة حتما مقضيا!