-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الشروق في دورية نحو شمال مالي / الحلقة الأولى

مطاردة .. توقيف وقوات الجيش تجهض عملية التسلّل

الشروق أونلاين
  • 4544
  • 3
مطاردة .. توقيف وقوات الجيش تجهض عملية التسلّل
الشروق

يدير حمو سيارة الهيلوكس رباعية الدفع في صباح أربعاء قد انتصفت شمسه.. بلباسه التقليدي الأزرق المشهور عند الطوارق، وبشاش أسود يتلثم قاصدا مقر دائرة برج باجي مخطار، حيث نقيم أنا والمصور محمد منذ 9 أيام.

 

 

كان مقررا أن نقصد شمال مالي قبل أسبوع، لكن الحراسة المشددة على الحدود، وظروف التمويه المصاحبة لإقامتنا، اضطرتنا إلى المكوث بآخر نقطة في جنوب الجزائر، كل هذه المدة، متربصين بأول فرصة للخروج، بعيدا على أعين الأمن، ولكن أيضا، من أعين الحركات المالية المختلفة المنتشرة في المدينة. 

بعد ربع ساعة نكون عندكما أستاذ، السيارة والوسيط جاهزان.. احملا الآلات وقليل جدا من الملابسيقول المراسل علي، الذي استعنا به كمصور ثان في المهمة. 

 

مدينة تنام على بركان من الخلافات

يتحرى سكان هذه المنطقة كثيرا في تحركاتهم.. فالمدينة، رغم هدوئها الظاهر، إلا أنها ترقد على بركان من الخلافات القبلية، التي تعاظمت منذ فتنة 2013 بين الطوارق والعرب.. 

أقل من ثلث الساعة، رن الهاتف.. خلصنا نجيا.. والقصد نقطة   الخمسينالحدودية مع شمال مالي، ويقصد بها 50 كلومترا على برج باجي مخطار.

للوصول إلى هناك، يقطع حمو طريق تيمياوين الشرقية المعبدة.. الإجابة على سؤال الجمارك ليس صعبا: “معنا ضيوف نريد أن نريهم الإبل في الصحراء“.

بالنسبة لصاحب السيارة توجد مشكلة، أنا والمصور لنا بشرة بيضاء، وقد يثير هذا انتباه الجيش أو قوات حرس الحدود. لذلك تلثمنا بالشاش النحيف الأسود، وارتدينا لباسا تقليديا، لا يميزنا عن سكان المنطقة.

يعرف حمو جيدا الطريق، فهو شب على نقل البضائع والأفراد من وإلى شمالي مالي، حيث يقيم إخوة وأبناء عم سكان صحرائنا الجزائرية..

لا فرق بين هؤلاء وأولئك: جدّ واحد وأحيانا نفس الأب، لكن ظروف العيش جعلت عمرا جزائريا، وزيدا ماليا.. أو أزواديا خلال سنين قليلة..

 

سياج رملي على الحدود لصدّ المهرّبين

لا يتوقف حمو عن التذمر من الوضع الجديد، فقوات الجيش الجزائري تعكف منذ أشهر على بناء سياج رملي على طول الحدود الجنوبية، للحد من دخول وخروج المهربين من جهة، ولضبط الوضع الأمني المتردي على بعد كيلومترات قليلة..

والله لي أبناء عم يعيشون على مرمى حجر من هنا، ما عدت أستطيع تزويدهم لا بالوقود ولا بالمواد الأساسية (..) بسبب هذا الوضع، يقول حمو وأسنانه البيضاء تبرز مع كل كلمة يتلفظها.

حمو يعيش حياة مرفهة ببرج باجي مخطار، مقارنة بباقي أفراد عائلته بشمال مالي. فنقل بضاعة ما إلى مدينةالخليليجني من خلالها 3 ملايين سنتيم، وهو المبلغ الذي حصّله من عندنا.

وكأغلب سكان المنطقة، يتمتع حمو بقوة جسمانية: فقامته فارعة، ومنكباه عريضان.. شمس المنطقة والشاش الأسود جعلا لون بشرته يميل للسواد..

ما هي إلا دقائق، حتى يترك حمو الطريق المعبدة، ويدخل العِرق، وهو أرض ترابية بها حصى، تخترقها آثار عجلات سيارات مرت من هنا، تاركة ما يشبه لوحة فنية، على أرض شاسعة..

في هذه الأرض، على ركاب السيارة أن يتشبثوا جيدا بأي جزء منها، فالاهتزازات لا تتوقف من فرط السرعة التي لا تقل عن 100 كلم في الساعة، أما إن كان في الأرض منخفض، فإن الرأس، لا محالة يصطدم بسقف السيارة.

في هذه الأثناء، تعلو أصوات الوسيط عبد الله والسائق حمو الله الله.. بسم الله بسم الله.. يا رب يا رب، خارقين صوت محرك الهيلوكس، وارتطام محفظات الكاميرات والحاملة والأجهزة التقنية الأخرى المربوطة في كابينة السيارة في الخلف..

 

مغامرة…قد تكون الأخيرة في حياتك

شد روحك، أنت على وشك بدء مغامرة قد تكون الأخيرة في حياتك، يخاطبني حمو وهو يطلق قهقهات، تعطيك شعورا أنه يفتخر بتلك التضاريس وصعوبتها، وخطورة المنطقة ومقاومته لها، بعكسنا نحن أبناء التل، الذين بدأ الخوف يشق طريقه في وجداننا، وأخذ يظهر على محيانا..

يقود حمو سيارته كلعبة بيد طفل لم يبلغ ست سنوات، يحركها يمنة ويسرى متفاديا حفرة هنا، وصخرة هناك.. وقد يأخذ رأسك حظه من ارتطامات بالنافذة وأنت تسترق النظر لشساعة المنطقة وخلوها من بني البشر والحيوان، إلا من غبار بعيد ترتفع أعمدته في السماء..

هؤلاء هم.. حكمونا حكمونايصرخ الوسيط.. ينتبه حمو إلى شماله ويحاول التدقيق وعينه تزيغ للأمام تارة ويعود لرؤية مصدر الغبار تارة أخرى..

هيه والله هم.. بيننا حوالي أربعة كيلو، يؤكد السائق.

أسأل الوسيط عبد اللهمن هم؟، فيردجي جي اف (مجموعة حرس الحدود)”.

مطاردة خطيرة وتوقيف في عمق الصحراء

لبرهة ظهر القلق على حمو، على غير عادته. “سيلحقون بنا قبل الوصول للحدود. هم على متن ستايشن ولن نقاومهم بهذه البرويطة“..

يلتفت الوسيط إليقرر: نتوقف أم نكمل؟

ـ 4 كيلو مسافة بعيدة عنا..

ـ أبدا، سيارتهم اختصاص الصحراء، سيكونون خلفنا خلال لحظات..

ـ ماذا يحدث لو أمرونا بالتوقف ولم نستجب؟

ـ سيشعلون النار بنا، لأنهم سيعتقدون أننا نهرب ممنوعات.

أستشير المصورين محمد وعلي، فيميل رأيهما للتوقف وعدم المجازفة.. خلال نقاشنا يصرخ حموإنهم يشعلون الأضواء لنا.. وصلوا وصلوا“..

أطلب من حمو الرد عليهم بضوء خلفي من مكابح، حتى لا تنزلق الأمور، فيفعل.. تصل الستايشن وتعترض السيارة، فيتوقف حمو.. يقوم حرس الحدود بدورة علينا، كاستطلاع لمن بداخلها..

انزليصرخ قائد المجموعة بخشونة، الجالس إلى جنب السائق، وعلى صدره ثلاثة نجوم، وفوقالكابينةالخلفية يظهر سلاح الدوشكا فوهته موجهة للسماء، بين يدي جندي ملثم كليا، وواضع نظارات شمسية..

يستجيب حمو على ارتباك كبير باد عليه، لدرجة أنه نزل من السيارة ونسي أن يوقفها بالمكبح اليدوي.

وين رايح.. تكلم وين رايحيسأله الدركي بصوت جهْوري.. يتمتم حمو كلاما غير مفهوم حتى لنا..

يعيد السؤال بشتائم مختلفة.. “ذاهبون لرؤية الإبليرد حمو..

هل أكشف عن وجهي وهويتي؟ أستشير المجموعة.. فيخطفني الوسيط: “لا تفعل.. قد يبلغون القيادة، وحينها تنعدم فرصة خروجنا، لأنهم سيطلبون منك العودة للعاصمة“..

يلف حمو السيارة ويقفل عائدا باتجاه الطريق المعبدة..

في هذه الظروف الأمنية المتردية التي يعيشها شمال مالي، يبدو أن أمرا صدر للجيش ولقوات حرس الحدود بتضييق الخناق على كل حركة باتجاه هذا الإقليم المضطرب.

وأوضح مصدر أمني ببرج باجي مخطار للشروق اليومي، أنهلم يعد هناك من مجال للتساهل، فالوضع الأمني يتدهور عند جيراننا، والإرهابيون ينشطون كثيرا في تلك المناطق، بسلاح يتدفق قِطعُه بالعشرات من ليبيا“.

يعود حمو أدراجه، لكن بسرعة منخفضة.. يتلفت الوسيط عبد الله 360 درجة مراقبا سيارة حرس الحدود.. “يبدو أنهم يتوجهون لسيارة أخرى تريد الدخول للشمال، يقول عبد الله.

بالنسبة لعبد الله فإن حياة أمثال حمو قد صارت صعبة.. قبل سنة ونصف سنة فقط كانت السلطات تتسامح في تنقل العربات إلى أزود بإجراءات تفتيشية روتينية. لكن مؤخرا، أضحى الخروج إلى الشمال صعبا جدا..

بسرعة التف وعُد.. الخمسين ليست بعيدة، سنبقى هناك ساعتين على الأقل ننتظر ذهاب الستايشن“..

في هذه النقطة، تظهر ديار من الطوب مهدمة جدرانها قد تبلغ الثلاثين.. تبدو كأنها خرجت من حرب ضروس.. والحقيقة أن أهلها هجروها، إلا قليلا.. على بعد كيلومتر تقريبا، يظهر عمود كهربائي، به هوائي لشركة موبيليس الحكومية، وصحن للاستخدام العسكري، على ما يبدو، داخل ما يشبه الحصن، وعدد من جنود الجيش الوطني يتحركون ذهابا وإيابا..

في إحدى زوايا هذه البقعة، يبرز شاب لم يبلغ الأربعين مُرحّبا.. عقبة عبد المالك يملك قطعة أرض يعمل على استصلاحها بغرس منتجات، بالاستعانة بشباب سود، علمنا أنهم قدموا من مالي..

قد يكون هؤلاء مراهقين لم يبلغوا سن الرشد، ذلك أن بنيتهم الجسمانية وخجلهم تدلان على حداثة سنهم.. اثنان منهم يعملان بلا أحذية، وبلا غطاء للرأس في ظهيرة فاقت درجة حرارتها تحت الظل 35 درجة !!

لم يتردد عقبة في دعوتنا لاستراحة عنده.. ينصح عبد الله السائق بركن السيارة بمكان غير مكشوف حتى لا نثير حفيظة الجيش.. بعد ساعة من الانتظار والاستطلاع، أخذ حمو يتخلى قليلا عن تحفظاته..

لقد تزوج حمو، ثانية، فتاة لم تبلغ العشرين يوم أمس.. معقول؟.. المفروض أنك تدلل زوجتك الثانية الآن.. يبتسم حمو.. “إنها الخبزة المرة الآن“..

دار حديث عن سيطرة الإرهابيين، وعن الانقسام الذي أصاب العشيرة العربيةفي الصحراء، التي أفضت إلى اقتتال بين حلفاء للطوارق، ومعادين لهم..

لكن مرارة كبيرة تحدث بها المعني عن شتائم ضابط حرس الحدود له.. “من يعتقد نفسه؟ وإلى من كان يعتقد أنه يتحدث؟ هل أنا حيوان؟، يخاطبنا حمو وقد أعاد إلى الطاولة الصغيرة كأس الشاي الذي أعده أحد خدام مضيفنا عقبة، دون أن يرتشفه..

اللي فات ماتيقول عبد الله محاولا تلطيف الجو.. “دعونا نحاول الآن، لعل الجي جي اف ذهبوا“..

 

الجيش يجهض محاولة تسللنا لشمال مالي

ما إن كدنا نخرج من بين شبه البيوت حتى قابلتنا سيارة الدرك.. “يبدو أنهم لن يتركونا، يقول المراسل علي..

ننتظر حوالي الربع ساعة داخل الهيلوكس.. دون جدوى.. يقرر حمو إدارة مقود السيارة شمالا.. “انتهت الرحلة“.. يضيف..

ألتفت إلى الوسيط.. “أراه قلقايهمس في أذني.. “ليس عادته أن يكون هكذا، قد يكون تذكر الطفلة (الزوجة الجديدة)”، يضيف بابتسامة خبيثة..

أخذ عبد الله هاتفه، وكلم أحدهمالجيش رجعنا، الجيش رجعنا، ما نستطيع القدوم.. بلغ الجماعة أننا سنحاول غدا“..

كشف عبد الله لأول مرة، ونحن عائدون، أن جماعة الحركة العربية الأزوادية المتحالفة مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد (الطوارق) المسيطرة على أجزاء كثيرة من شمال مالي، قد أخرجت 3 سيارات ستايشن مدججة بالسلاح، لاستقبالنا وراء الحدود الجزائرية، ولضمان حمايتنا إلى غاية مدين الخليل..

لكن الرحلة الآن اُلغيت.. أخذنا نعيد تفاصيل الرحلة فيما بيننا.. يتفق حمو وعبد الله أن هذه هي المرة الأولى التي يرون فيها مثل هذه الكثافة والصرامة في تعامل الجيش مع الداخلين للشمال..

تساؤلات كثيرة طرحاها: ما الذي يحدث؟ ولماذا اليوم بالذات؟ وهل غاب عنا تفصيل ما لم ننتبه له خلال عملية التنسيق منذ الأشهر الثلاثة الماضية؟ فقد أخذنا كل الاحتياطات بما فيها الخروج وقت الظهيرة النادر التحرك تحت شمسها الحارقة !!

عدنا لبرج باجي المخطار، إلى المقهى المعتاد رأسا.. التقيت بعدها بمصدرين أمنيين كشفا لي سبب هذاالنفيرعلى الحدود.. في الحلقة الثانية والأخيرة

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • جبل زندل

    اسلوب السرد ممتع مع وجود لكلمات ومفردات رائعة كما ان اسلوب الحبكة والتشويق في المقال ينم على ان الشخص ادار الحوار وانساق في رواية رحلته بعمق و فضول
    واصل احسنت يا موفق هشام مثل هدا اسلوب يمكن ان تنجز سيناريو فيلم وبدون مجاملة

  • بدون اسم

    استمتعت بالحلقة الأولى ...حقيقة كان السرد رائعا.... في انتظار الحلقة الثانية.....تحية للـ ggf و للـ anp

  • هواري بومدين

    الجيش الذي يرفض المشاركة في حروب البلدان الاخرى يحسن االحماية و الدفاع عن ارضه.
    تحية لمن يسهرون على حمايتنا
    تحية للجيش الوطني الشعبي