“سانوفي” تطوّر “أنسوليناً ذكية” لمعالجة السكري
الدواء.. مراحل معقّدة وجهود مضنية.. يبدأ بفكرة يتم تطويرها وبحثها سنوات طويلة إلى أن تصبح قابلة للتجسيد.. تمر أيضا بفترة تجريب إلى أن تثبت فعاليتها قبل أن تنتج في شكلها النهائي وتسوّق عبر العديد من البلدان وتراقب بعد ذلك بدقة للترصد لمقلديها والمتلاعبين بها.. درءا لأي خطر يهدد حياة المريض وسمعة الجهة المنتِجة.
قد يبدو الأمر هيّنا لكنه أبدا ليس كذلك فالسلسلة وثيقة ودقيقة.. هذا ما وقفت عليه”الشروق” وعايشته لدى زيارتها لأكبر مصانع إنتاج الدواء الأوروبية التابعة لمخابر “سانوفي” في فرنسا وألمانيا، خلال مشاركتها ضمن برنامج سانوفي “ميديا تريب“.
أوّل محطة في زيارتنا كانت مدينة فرانكفورت الألمانية وبالضبط لمصنع إنتاج الأنسولين، حيث استهلت الزيارة بمداخلات من قبل المختصين قدموا خلالها شروحاً وإحصائيات عن السكري والتحسيس بمخاطره الأساسية والتعقيدات الصحية التي يمكن أن يحدثها هذا “القاتل الصامت“، عزّزت بشهادات حيّة لمرضى يعانون ويلاته وآلامه.
371 مليون مريض عبر العالم
السكري قاتل صامت قد يفتك بصاحبه إن لم يحسن ترويضه والتعامل معه بحذر، وحسب البروفيسور آلدو مالوناتو المختص في مرض السكري فإن الكثير من الأشخاص يمتلكون على الأقل 10 أفكار خاطئة عن هذا المرض يجب تصحيحُها.
يحصي العالم حوالي 371 مليون مريض بالسكري، 70 بالمائة منهم في إفريقيا لوحدها مقابل 22 بالمائة فقط في قارة أوروبا، في حين يؤكد المختصون أن حوالي 50 بالمائة من السكان المتبقين لم يتم تشخيص مرضهم، ويتوقع أن يصل عدد المصابين بالسكري في حدود سنة 2030 إلى 552 مليون مصاب بهذا الداء المزمن.
ويعتبر الهند البلد الثاني من حيث عدد إصابات سكانه بهذا الداء إذ يتغلغل المرض بشكل لافت بين 63 بالمائة من سكانه.
ويعدّ السكري أيضا سببا رئيسيا في وفاة ما لا يقل عن 4.8 مليون شخص سنوياً عبر العالم.
الجزائر رائدة في التكفل بمرضى السكري
إلى ذلك، أكد العديد من المختصين في مرض السكري وممثلون عن مخبر “سانوفي” بأن الجزائر تعدّ بلدا رائدا في مجال التكفل بمرضى السكري ووصول المريض إلى الدواء عكس دول المغرب العربي الأخرى التي لا يزال أمامها الكثير من أجل الارتقاء إلى نفس مكانتها، وذلك من خلال ما يقدّمه نظام الضمان الاجتماعي من تسهيلات في مجال الحصول على الدواء.
وأكد البروفيسور ديديي حليمي المشرف على منطقة إفريقيا والشرق الأوسط أن الجزائر البلد الأول إفريقيا ومغاربيا من حيث التكفل بمرضى السكري وحصولهم على العلاج.
وقال ديديي حليمي إن الجزائر تحتل المركز الثاني بعد “إسرائيل” عالمياً في التكفل بمرضى السكري تليها روسيا ثم تركيا.
إمبراطورية الأنسولين في فرانكفورت..
مصنع إنتاج الأنسولين في فرانكفورت.. إمبراطورية حقيقية يخيّل إليك وأنت داخل إليها أنك أمام صرح لا تدرك بدايته من نهايته.. آلات كثيرة وكبيرة.. أنابيب من كل الأحجام والأشكال.. نظافة براقة.. صمت رهيب بالكاد يكسره من الحين للآخر صوتٌ خافت لبعض الآلات.. حركة بشرية نادرة..
كل هذا مقابل إنتاج غزير ومراقبة دقيقة لكل ما يحدث، يشرف عليها عدد بسيط من المختصين في وحدة المتابعة الأتوماتيكية.
هنا في هذا المكان تبدأ أولى مراحل تطوير مادة الأنسولين، الرفيق الذي يحيا معه الكثيرُ من مرضى السكري مدى العمر.. هي 14 خطوة قبل الحصول على المادة السائلة للأنسولين.
يتم في المرحلة الأولى تطوير البكتيريا الأساسية لإنتاج الأنسولين في زجاجة سعتها لا تتعدى اللتر الواحد بعدها تحوّل إلى قارورة أخرى أكبر حجما حوالي 2 لتر وبعد حوالي 12 ساعة تحوّل إلى صهريج تنمو فيه البكتيريا وتتكاثر.
وبعد التخلص من بقية المكوِّنات غير المرغوب فيها يتم الحصول على الأنسولين في شكلها غير النشيط وتكون عبارة عن مادة سائلة تدخل عليها بعض التعديلات والإضافات لتأخذ شكلها النشط والغباري للتمكن من تخزينها في صهاريج كبيرة قبل تعليبها وتسويقها، وتتطلب كل هذه المراحل حوالي 20 يوما فقط.
ينتج المصنع سنوياً 10 طن تقريبا من مادة الأنسولين، وعلى الرغم من الطاقة الإنتاجية والمساحة الكبيرة التي يتربع عليها، إلا أنه لا يشغِّل سوى 270 عامل، وهو ما يعكس بالفعل تفوّق الآلة على الفرد في كثير من المهام، وحرص القائمين على مخابر سانوفي للاستثمار في الموارد البشرية ضمن مجالات البحث وتطوير الأدوية.
عملٌ على أنغام الموسيقى
في وحدة أخرى غير بعيدة عن مصنع الإنتاج تُنجز عمليات التجميع والوسم والتعليب، وهي آخر مرحلة قبل تسويق المنتوج إلى الدول الخاصة بها، حيث تُضخّ مادة الأنسولين في الأقلام الخاصة بها، بعدها توضع الأقلام في علبٍ خاصة بها وتوسم بوسم المخبر، وإلى ذلك توضع في علب كبيرة تعمل على نقلها بعض المركبات الآلية المصمَّمة حسب نظام عمل الوحدة ضمن اتجاهات معينة يمنع مرور أي عامل فيها تجنبا لوقوع الحوادث.. كل هذا على أنغام موسيقية تصدرها هذه المركبات تبعث الحيوية بين العدد القليل للعمال الموجودين في المكان، وتقضي على الرتابة التي قد يصنعها ضجيج الآلات.
وتعدّ النظافة العالية شرطا أساسيا قبل الدخول إلى الوحدة، كالحرص على غسل اليدين وارتداء الزي الموحد والأغلفة البلاستيكية للأحذية.
وتنتج هذه الوحدة مليون قلم يومياً وأكّد القائمون على “سانوفي” أنهم صرفوا ما يناهز 200 مليون أورو خلال السنوات الست الأخيرة لتطوير البحث في مجال الأقلام.
آفاق جديدة للأنسولين
أكد القائمون على مخبر “سانوفي” أن آفاقا جديدة ستفتح أمام مرضى السكري بشأن الأنسولين، فهم يسعون إلى المزيد من البحث في مجال تطوير الأنسولين وآخر جديدهم هو “لوكزيميا” التي طرحت في السوق الأمريكية منذ مدة قريبة وكذا في عدد من الدول الأوروبية في انتظار أن تُعمم على مختلف دول العالم.
وستنعكس هذه البحوث والآفاق على السعر وكذا النوعية إذ يطمح الباحثون إلى تطوير”الأنسولين الذكية“، وهي الأنسولين التي تفرق بين انخفاض السكري وارتفاعه في الجسم، وتحدد حاجة الجسم للقدر الكافي منها.
وبشّر القائمون على مخبر “سانوفي” المرضى بأن إنتاج الأنسولين في شكل “جنيريك” أو ما يعرف بـ “الأنسولين الجنيسي” سيجعله متاحا لحوالي 200 إلى 300 مليون مريض عبر العالم.
“سانوفي” حاضرة في 100 دولة
مكافحة الأدوية المقلدة و”الاجرام الصيدلاني“، هو رهان آخر ضمن سلسلة إنتاج الدواء وتسويقه عبر العالم، وهو ما جعل “سانوفي” تؤكّد حضورها في حوالي 100 بلد من أجل محاربة الظاهرة بالتعاون مع السلطات الرسمية والشرطة.
وأكّد القائمون على وحدة مكافحة الأدوية المقلدة الكائنة بمدينة تور الفرنسية أن الفياغرا والأسبرين هي أكثر الأدوية المقلدة.
وخلال سنة 2012 تم حجز ما لا يقل عن 550 وحدة دواء مقلدة في إفريقيا، بالإضافة إلى 1.2 مليون علبة أسبرين قادمة من الصين كانت موجَّهة للسوق الإفريقية، وهو ما يؤكد أن فقراء العالم هم أكثر الفئات المهدَّدة بمخاطر الدواء المقلد، حسب ما أوضحته مديرة التنسيق لمكافحة الأدوية المقلدة على مستوى مخبر سانوفي بفرنسا الدكتورة كارولين آتلاني.
للعلم، فإن 10 بالمائة من الدواء الموجود في السوق العالمية مقلد و50 بالمائة من الأدوية المقتناة عبر الأنترنت مقلدة.
وتعكف وحدة المراقبة بمدينة تور على فحص 3 آلاف إلى 4 آلاف منتوج سنويا وفق 4 مراحل على غرار التحليل النظري والكيميائي وكذا ملاحظة التعليب والمكونات الأساسية.
ومنذ تأسيس الوحدة سنة 2008 تم معاينة 20 ألف منتوج مشكوك فيه.