“الدودانات” العشوائية.. دولة داخل دولة
تحولت الممهلات أو”الدودانات” في الجزائر إلى مرادفٍ للفوضى والعشوائية عبر الطرقات، وأصبحت هاجسا يوميا لأصحاب المرْكبات الذين ينامون ويستيقظون على ممهلات جديدة، توضع بطريقة انفرادية وعشوائية من طرف المواطنين، ما يجعلها تتسبب في كوارث وحوادث بالجملة، فلاهي بنيت بالطريقة الصحيحة ولا توجد أي إشارة للدلالة عليها، كما أنها لا تتوفر على الطلاء الأبيض، ما يجعل رؤيتها صعبة، بل منعدمة في الليل، ما حوّلها إلى مصدر لحوادث مرور مميتة ومصدر لاتلاف وتكسير السيارات.
أكد السيد سليم قاسمي رئيس الجمعية الجزائرية للسلامة المرورية أنه قدم مراسلات متعددة لوزارة النقل، قصد الوقف الفوري للبناء العشوائي للممهلات، التي شوّهت شوارع وطرقات الجزائر، وأضاف أن أغلب هذه الممهلات توضع في الطرق البلدية داخل المدن من طرف المواطنين بهدف إرغام السائقين على التقليل من السرعة، كما تأتي هذه الممهلات أيضا كرد فعل لبعض العائلات التي تعرض أحد أفرادها للموت بسبب صدمه من طرف سيارة أو شاحنة في الطرقات البلدية أو الولائية.
وكشف محدثنا أن وضع الممهلات في الطرقات البلدية وعدد من الطرق الولائية وحتى الوطنية بات على أساس اعتبارات شخصية ومزاجية، في غياب تام لتطبيق القانون، “فأي مواطن يقرر بناء “دودانة” ما عليه سوى إحضار كمية من الإسمنت والحجارة ووضع الممهلة أمام منزله أو مدرسة أطفاله دون حسيب ولا رقيب، ما حوّل الجزائر إلى بلد المليون “دودانة”، وأضاف السيد قاسمي أن مرسوما وزاريا مشتركا بين وزارت النقل والداخلية والأشغال العمومية صدر منذ سنتين يقضي بإزالة جميع الممهلات العشوائية في جميع شبكة الطرقات، بالإضافة إلى إعادة بناء الممهلات التي لا تتوفر على مقاييس السلامة والأمن، وهذا بعدما وضعت الحكومة شروطا جديدة تتطلب دراسة وضع الممهلات من لجنة سداسية يترأسها الوالي وتتولى أمانتها مصالح الأشغال العمومية، وحدد المرسوم الوزاري الطرق المتبعة من المواطنين في طلب وضع الممهلات والتي يجب أن تحتوي على اسم الطريق المعني وعدد حوادث المرور المسجلة فيه، ويدرس الطلب من طرف لجنة وزارية مختلطة بالإضافة إلى ممثل عن الأمن الوطني ورئيس البلدية، وتقرر هذه اللجنة وضع ممهلة جديدة أو نزع ممهلة قديمة إذا أصبحت عديمة الجدوى، وتأسف المتحدث على أن كل هذه القوانين والإجراءات عبارة عن حبر على ورق، ماساهم في زرع يومي للممهلات في غياب تام لمصالح البلدية التي تحولت إلى “شاهد مشافش حاجة”.
ممهلات كالجبال
إلى ذلك، أكد السيد سليم قاسمي أن القانون والمرسوم الوزاري المشترك حدد بالتفصيل المقاييس التي يجب أن تتوفر في انجاز الممهلات، بداية بالمواد المستعملة التي يجب أن تكون من المطاط أو “الزفت”، بالإضافة إلى الارتفاع الذي يجب أن لا يتعدى 10 سم والعرض الذي يتراوح بين متر ومتر ونصف، بالإضافة إلى وجوب وجود إشارتين، الأولى على مسافة 50 متراً قبل الممهلة والثانية موقعية أمام الممهلة التي يجب أن تطلى بلون مميز لإظهارها في الليل.
ويضيف المتحدث أن 90 بالمائة من البلديات لا تحترم هذه المقاييس، بإنجازها لممهلات أشبه بالجبال، بعض السيارات لا تستطيع حتى أن تمر فوقها إلا بعد خدش بعض الأجزاء السفلية للمركبة، ما جعل هذه الممهلات محل انتقاد وتذمر من أغلب السائقين الذين أكدوا أن الجزائر مازال يسيرها قانون الغاب.
“الدودانات” تنقص من عمر السيارات
من جهته أكد السيد مزيان شميل، وهو ميكانيكي محترف وصاحب ورشة ميكانيكية في الكاليتوس بالعاصمة، أن القانون سمح بوضع الممهلات لحث السيارة على التخفيف من سرعتها وليس التوقف النهائي، على عكس “الدودانات” العشوائية التي ترغم السائق على التوقف بهدف المحافظة على سيارته.
وأضاف أن “الدودانات” بشكلها الموجود في الجزائر تساهم في إنقاص العمر الافتراضي للعديد من أجزاء السيارة في مقدمتها ممتص الصدمات ونظام الفرملة، بالإضافة إلى التأثير السلبي على علبة السرعات والمحرك، وأضاف أنه استقبل في ورشته عددا من السيارات التي تعرضت إلى أضرار بالغة على مستوى ممتص الصدمات وموجه العجلات بسبب تعرضها إلى صدمة قوية مع الممهلات غير المرئية بسبب الظلام، ما يجعل الممهلات العشوائية العدوّ الأول للسيارات في الجزائر.
الممهلات خطر على النساء الحوامل
من جانبها، أكدت الدكتورة سمية بوصيف صاحبة عيادة لأمراض النساء والتوليد ببلدية مفتاح بالبليدة أنها عادة ما تنصح النساء الحوامل بتجنب استعمال الطرقات قدر الإمكان، لاحتوائها على ممهلات قد تتسبب في سقوط الجنين، مثلما حدث لبعض النساء، خاصة إذا كانت المرأة جالسة في مؤخرة الحافلة، واستغربت المتحدثة صمت السلطات الوصية أمام الانتشار الفطري للممهلات التي تحولت إلى خطر على الصحة العمومية، ما يستدعي إرادة حقيقية لإصلاح الأوضاع والحفاظ على صحة وحياة المواطنين.