.. قبل إعادة النظر في الدستور الحالي
عاد الحديث هذه الأيام بشأن تعديل الدستور الحالي، حيث راح بعض فقهاء القانون ورجال السياسة والاقتصاد يدلون بآرائهم ويقدمون اقتراحاتهم في هذا الخصوص، لاسيما بعد أن أعلنت رئاسة الجمهورية عن أعضاء لجنة مراجعة الدستور وما أعلنه الوزير الأول خلال تنصيب اللجنة، الأمر الذي حفزنا نحن كذلك للإدلاء بآرائنا وتقديم اقتراحاتنا في هذا الإطار. ولعلّ ما ينبغي التركيز عليه في هذا المضمار هو أن التعديلات الدستورية المرتقبة يمكن أن تمس العديد من الجوانب التي سنستعرضها ـ متبوعة ببعض آرائنا واقتراحاتنا ـ على النحو التالي:
1 ـ دسترة وتحديد الطبيعة القانونية لنظام الحكم في الجزائر، وهذا أمر نستحسنه كثيرا بل ونثمنه عاليا، لكونه يفصل نهائيا في تكييف هذا النظام الذي لم نتمكن لحد الآن من معرفته أهو نظام برلماني أم رئاسي أم شبه برلماني أم شبه رئاسي أم هو مركب ومختلط وهجين أم هو كل هذا وذاك؟. فما لا ريب فيه أن نظامنا السائد حاليا يتميز بكونه يجمع في طياته ويخلط بين ثناياه شيئا من النظام البرلماني وشيئا من النظام الرئاسي وشيئا من النظام شبه البرلماني وشيئا آخر من النظام شبه الرئاسي. وأعتقد أنه حان الوقت فعلا للتخلي نهائيا عن مثل هذا النظام المختلط الجامع ـ وفي آن واحد ـ بين خصائص ومميزات كل الأنظمة الدستورية المعروفة عالميا. ولو أن قراءات بعض الأوساط المشار إليها أعلاه تذهب كلها في اتجاه تبني نظام رئاسي متشدد (1)، نقول هذا الكلام مع جميع التحفظات بخصوص هذا النظام، بالنظر لما يترتب عنه من آثار قانونية وسياسية قد نتعرض لها بشيء من التفصيل في مناسبة أخرى.
2 ـ الرجوع، من جديد، إلى تحديد عدد العهدات الرئاسية بعهدتين اثنتين فقط، وذلك كما كان عليه الوضع في دستور عام 1996 أي قبل تعديل هذا الأخير سنة 2008 (2). مع ضرورة تمديد مثل هذا التحديد ليشمل أيضا عهدات المجالس المنتخبة (المجلس الشعبي الوطني، مجلس الأمة والمجالس الشعبية المحلية، الولائية والبلدية) أي تحديدها هي كذلك بعهدتين اثنتين فقط. ومما لاريب فيه أن هذا الأمر نحبذه ونثمنه، لكونه يرسخ قواعد الديمقراطية أكثر فأكثر في بلدنا بل ويجسد أهم مبادئ هذه الأخيرة عندنا، ومنها مبدأ توسيع دائرة التمثيل الشعبي في مختلف مستويات السلطات عموما، وفي أعلى هرم هذه السلطة خصوصا، وكذا مبدأ التداول على المسؤوليات في مختلف درجاتها عموما، وفي أعلاها خصوصا، ولا ينبغي إطلاقا أن نتأثر هنا ببعض المقولات التي ساقها أو يسوقها بعضنا في هذا الصدد ولاسيما منها تلك التي تتحدث عن ضرورة عدم تحديد عدد العهدات الرئاسية أصلا، بل وعن وجوب ترك مجالها مفتوحا لتقدير الشعب صاحب السيادة، والذي يعود له هو وحده فقط الحق في تحديدها بأكثر من ذلك أو بأقل أي بتمديدها أو بتقصيرها.
3 ـ إعادة النظر في الصلاحيات والاختصاصات التشريعية لرئيس الجمهورية، إذ مما لا شك فيه أن هذه الأخيرة التي أقرها الدستور الحالي، ولاسيما تلك المنصوص عليها في المادة 124 من هذا الدستور، والتي يسن بمقتضاها أوامر رئاسية، سواء في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو بين دورتي البرلمان، والتي “الأوامر هذه” تطبق فور صدورها أي حتى قبل أن ينظر فيها البرلمان، وليس لهذا الأخير إلا المصادقة عليها أو عدم المصادقة بدون أية مناقشة أو زيادة أو نقصان، هي صلاحيات واختصاصات واسعة جدا ومن شأنها أن تحد، بلا ريب، حتى من الصلاحيات التشريعية الأصيلة المكرسة للبرلمان خاصة بموجب المادة 98 من الدستور، بل ومن شأنها أيضا الإخلال حتى بمبدأ التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات والهيئات الدستورية المنصوص عليه في المادة 176 من هذا الدستور ذاته.
4 ـ إعادة النظر في آليات تنظيم وسير وعمل اللجنة المتساوية الأعضاء المنصوص عليها في المادة 120 من الدستور، فلاشك أن هذه اللجنة التي يتساوى فيها عدد أعضاء الغرفة الأولى”المجلس الشعبي الوطني” مع عدد أعضاء الغرفة الثانية “مجلس الأمة”، والتي لا تجتمع إلا باستدعاء من رئيس الحكومة سابقا أو الوزير الأول حاليا، تحتاج فعلا إلى آليات جديدة سواء من حيث التنظيم أو السير أو العمل…، وكل ذلك فضلا عن ضرورة إدخال تعديل صريح وواضح على المادة 120 السالفة الذكر، تعديل يكون من شأنه استبعاد أي قيد أو تدخل من قبل السلطة التنفيذية في عمل السلطة التشريعية، وذلك ضمانا لمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه ولو بطريقة غير مباشرة في المادة 138 من الدستور وحماية له من أي مساس أو تشويه.
5 ـ إعادة النظر في الآثار الواجب ترتيبها على مختلف آليات الرقابة المكرسة حاليا للبرلمان، إذ مما لاشك فيه أن آليات الرقابة البرلمانية التي أسندها المؤسس الدستوري لكل من المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، سواء من خلال الاضطلاع بوظيفة الرقابة في مدلولاتها الشعبية المنصوص عليها في المادة 159، أو من خلال فتح مناقشة حول السياسة الخارجية المنصوص عليها في المادة 130 أو من خلال مناقشة بيان السياسة العامة المنصوص عليها في المادة 135 الأسئلة الشفوية والكتابية المنصوص عليها في المادة 134 أو من خلال الاستجوابات المنصوص عليها في المادة 133 أو من خلال لجان التحقيق المنصوص عليها في المادة 161 أو من خلال العروض الحكومية الخاصة باستعمال الاعتمادات المالية المنصوص عليها في المادة 160 كلها آليات غير واقعية بل وغير مجدية تماما، والسؤل المطروح هل يعقل ألا تنتج كل هذه الآليات الرقابية أية آثار قانونية؟.
6 ـ إعادة النظر في آليات تكريس بعض المراكز الدستورية والقانونية، الامتيازية والإستثنائية المسخرة لبعض الفئات من المجتمع كالبرلماني والقاضي والإطار السامي في الدولة وضابط الشرطة القضائية والشهيد والمجاهد وذوي حقوقهما والمرأة والمعوق حركيا والشاب أو الشابة… حتى لا تنقلب على القاعدة العامة المقررة في المادتين الدستوريتين 29 و30 اللتان تقضيان في محصلتهما بوجوب المساواة بين كل المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات، فتصبح هي القاعدة العامة وهذه الأخيرة هي الاستثناء. كما أن آليات الحصانة البرلمانية المقررة في المواد 109 و110 و11 من الدستور والتي تنص، في مجملها، على ضرورة تحصين أعضاء البرلمان أثناء وبمناسبة أدائهم لمهامهم وقيامهم بواجباتهم التمثيلية والتشريعية والرقابية، تحتاج في حد ذاتها إلى توضيح صريح ودقيق سواء في كيفيات منحها أو في مدى التمتع بها.
نقول ذلك ونؤكد عليه نظرا لما تثيره هذه الآليات من إشكالات وتساؤلات كثيرة لعل من بينها:
أ- كيف يمكن التوفيق بين موجبات هذه الاستثناءات، وبين مقتضيات المادتين 29 و30 المذكورتين أعلاه كقاعدة عامة؟
ب- هل يعقل أن نكتفي بتسخير ثلاث مواد دستورية فقط لمعالجة موضوع هام وحساس جدا كالحصانة البرلمانية؟
ج- ألا يفتح، كل ذلك وغيره، الباب واسعا أمام البعض لإساءة فهم مثل هذه الآليات من أساسها، فيكيفها ويؤولها على حسب هواه ومزاجه، إن بالتضييق من مفهومها أو بالتوسعة فيه.
7 ـ دسترة أو استحداث مؤسسات وهيئات وأجهزة رقابية واستشارية جديدة مثل:
أ ـ المجلس الأعلى للغة العربية،
ب ـ المجلس الأعلى للغة الأمازيغية انطلاقا من المادتين 3 و3 مكرر من نفس الدستور، وذلك على غرار المجلس الإسلامي الأعلى المنصوص عليه في المواد 171، 172 و173 المؤسسة بدورها على المادة 2،
ج ـ المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي،
د-المجلس الأعلى للشباب والطفولة،
هـ-المجلس الأعلى للمرأة،
و-المجلس الوطني لواجبات وحقوق الإنسان ـ وليس لجنة حقوق الإنسان فقط كما هو معمول به حاليا ـ وكل ذلك انطلاقا من المواد الدستورية العديدة سواء منها المتعلقة بالحقوق والحريات أو بالواجبات والالتزامات أو بقضايا الشباب والطفولة والمرأة أو بقضايا الأسرة أو بغيرها من القضايا بوجه عام، وفقا لما هو منصوص عليه في ذات الدستور الحالي كذلك.
8 ـ تدعيم الهيئات والمؤسسات والأجهزة الاستشارية والرقابية القائمة مثل:
أ ـ مجلس الأمة بإعادة النظر في تشكيلته وطريقة عمله ليصبح شقيقا فعليا وشريكا حقيقيا للمجلس الشعبي الوطني في جميع الصلاحيات التشريعية والبرلمانية بوجه عام، والرقابية منها بوجه خاص، إذ لا يعقل أن يبقى هذا المجلس على ما هو عليه حاليا، لا يملك حتى حق إجراء التعديل على أي نص قانوني يأتيه من المجلس الشعبي الوطني، فما بالك باقتراح قانون أو إجراء رقابة برلمانية بالمفهوم السالف ذكره.
ب ـ المجلس الدستوري ليتوّسع أمامه المجال لمن يخطره، فزيادة على إخطاره من قبل رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني كما هو منصوص عليه في الدستور الحالي، ينبغي أن يفسح أمامه المجال ليشمل كل من له الصفة والمصلحة في الدفع بعدم تطبيق أي نص قانوني ما، أكان تشريعيا أو تنظيميا، سواء لعدم شرعيته الدستورية والقانونية أو لعدم مطابقته للدستور والقانون أو لغيرها من الأسباب الموضوعية والمبررات العملية، الدستورية والقانونية طبعا.
ج ـ مجلس المحاسبة وكذا المجلس الأعلى للأمن بتدعيمهما أيضا بصلاحيات استشارية ورقابية إضافية مع تفعيل دورهما.
9 ـ دسترة أو إرساء تقسيم إداري جديد يضاف إلى ذلك التقسيم الموجود حاليا بموجب المادة 15 من الدستور التي تنص على أن الجماعات الإقليمية للدولة هي البلدية والولاية، لأنه بات ضرورة ملحة وذلك بإضافة ولايات ودوائر وبلديات جديدة، وكذا باستحداث هياكل إدارية (أقطاب أو تجمعات أو مناطق) جهوية مدمجة للتنمية، قصد تجاوز ما تعانيه التنظيمات والأجهزة الإدارية الحالية (الولايات، الدوائر والبلديات) من عجز في التنسيق وفي الإدارة والتسيير وذلك قصد التكفل الجيد سواء بانشغالات المواطنين المتزايدة أو بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية، الثقافية والإدارية الضخمة التي أثبتت التجربة أن هذه الولايات والدوائر والبلديات لا تستطيع القيام بها لأسباب كثيرة، وخاصة منها محدودية الوسائل المادية والإمكانيات المالية واتساع الرقعة الجغرافية التي تعمل فيها…إلى آخره.
* هذه وغيرها بعض التصورات وكذا بعض الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور الحالي ذكرنا بعضها في الفقرات السالفة وثمة غيرها قد نعود إليها بشيء من التفصيل في مناسبات قادمة بإذن الله تعالى. وينبغي، في كل الحالات، أن نضع في الحسبان جملة من المسائل والقضايا لعل من أهمها:
أ ـ أن الجزائر، بهذه التعديلات، ستكون قد حطمت رقما قياسيا عالميا في سن وتعديل الدساتير، حيث عرفت منذ استقلالها حتى الآن ثمانية (8) دساتير، فضلا عن التعديلات الدستورية السابقة وكذا التعديلات الدستورية المرتقبة.
ب ـ أن هذا الدستور، لا تعتريه أية شوائب أو نقائص أو اختلالات وليست به أية فراغات أو ثغرات أو إشكاليات دستورية أو قانونية تذكر! إلى آخره مما أبداه ويبديه بعض المحللين السياسيين والمختصين لاسيما رجال القانون عندنا من آراء.
وبغض الطرف عما قد يكون من صواب أو خطأ سواء في هذه الآراء، إلا أنه وبناء على أسس عملية ومبررات موضوعية منها على سبيل المثال لا الحصر:
1 ـ أن الدستور الحالي وبوصفه من عمل البشر الذي يخطئ ويصيب، تعتريه نقائص وتشوبه اختلالات وثغرات دستورية وقانونية.
2 ـ أن التعديل الدستوري، ومن حيث المبادرة به، هو صلاحية من الصلاحيات الدستورية المعترف بها لرئيس الجمهورية ولأعضاء البرلمان بل هو حق من الحقوق المكفولة لهما دستورا (المواد 174، 176 و177).
3 ـ أن التطورات السياسية والاقتصادية، الاجتماعية والثقافية الجارية على الساحتين الوطنية والدولية (لجان لمراقبة مدى التزام الدول الإفريقية بالعمل على تجسيد مبادئ الديمقراطية والتعددية السياسية، الحقوق والحريات الفردية والجماعية، التسيير الناجع والحكم الراشد، التداول على السلطة ميدانيا) تفرض علينا التكيّف والتأقلم معها، ولن يتم ذلك إلا من خلال إجراء التعديلات الضرورية على نظمنا وقوانيننا بما فيها الدستور باعتباره قانونا أساسيا في الدولة.
نقول وبصرف النظر عن كل هذا وذاك أننا لا نرى أي مانع يحول دون إجراء التعديلات الدستورية المذكورة أو غيرها، بيد أنه لابد من مراعاة ما سبق وكذا ما يلي:
أ ـ أن تتم هذه التعديلات وفقا للأطر الشرعية المنصوص عليها في الدستور مع إيجاد الضمانات الكافية للفصل المرن والتوازن المطلوب بين السلطات والهيئات الدستورية كما هو مقرر في المادة 176 من ذات الدستور.
ب ـ لا ينبغي الاكتفاء فقط بالحفاظ على المكاسب الديمقراطية مثل الازدواجية أو الثنائية على مستوى جميع السلطات “القضائية، التنفيذية والتشريعية” التي تحققت لاسيما في ظل الدستور الحالي بل يجب تحقيق المزيد من هذه المكاسب وفقا للمادة 178 من ذات الدستور.
ج ـ تفادي الإنبهار بالنظام الرئاسي المتشدد والانقياد وراء بعض محاسنه مقابل الوقوع في الكثير من مطباته ومساوئه على غرار النظم الأخرى التي سنتناولها، مع غيرها من المسائل والقضايا الأخرى ذات الصلة بشيء من التفصيل مستقبلا بعون الله وقوّته، إذ سنخصص لها بحثا قائما بذاته سنستعرض فيه كنهها مع إجراء المقارنات اللازمة بينها واستجلاء ما تتميز به كل منها من محاسن وإيجابيات وما يعتريها من نقائص وسلبيات حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود إن في هذا الموضوع أو في غيره.
.
الهوامش:
(1) :تصريح للسيدة لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال، نشرته العديد من الجرائد اليومية.
(2) :دستور عام 1996 المعدل والمتمم لاسيما عام 2008 بموجب القانون رقم 08 ـ 19 الصادر في ج ر رقم 63 بتاريخ 17 ذو القعدة عام 1429 الموافق 15 نوفمبر سنة 2008.