آه يا الكذابين!
كلما عاد الفاتح أفريل من كلّ سنة، عاد الحديث عن الكذب، واللعب بالكذب، وتوزيع المزح والمرح بالكذب، وقتل الآمنين والعزل والمسالمين بالكذب، والحال أننا جميعا، كلّ في بيته وموقعه ومنصبه، وكلّ حسب سنّه وجنسه، ليس إلى يوم فقط، ولكن إلى أيام للصدق والحقّ.
السلطة والمعارضة، الأحزاب، الحكومة، الصحافة، الإدارة، الوزراء، الولاة، رؤساء الدوائر، الأميار، النواب، كلّ المسؤولين، التجار، البزناسية، المستثمرون، الفلاحون، العمال، وكلّ الفئات، بحاجة إلى الصدق، وإلى التوحّد للمشاركة في مسعى محاربة الكذب وتجفيف منابع “الهفّ والفستي“!
الطامة الكبرى، أن هذا يكذب على ذاك: السلطة تكذب على المعارضة، والمعارضة تكذب على السلطة.. وزراء يكذبون على بعضهم البعض، أحزاب تكذب على أخرى، ولاة يكذبون على رؤساء دوائر، منتخبون يكذبون على أميار، تجار جملة يكذبون على تجار تجزئة.. هؤلاء يكذبون على أولئك، وبين الجميع ضاع الصدق وانتحر في مقبرة الكذب!
بالكذب تـُبرم الصفقات المشبوهة، ويتمّ التدليس وتمرّر الرشوة، ولا تطبق القوانين سارية المفعول، إلاّ بأثر رجعي، وبالكذب تُمارس “الحڤرة” ويتمّ تفريخ الفساد ورعاية المفسدين و“الباندية“، وبالكذب تـُقتل المشاريع وتوأد التنمية ويُدفن الاستثمار النافع في مدافن اللامبالاة والإهمال!
لم يعد الكذب نافعا، فحبله قصير، وقد يصدق “نيتشه“ عندما قال: لست منزعجا لأنك كذبت علي، لكنني منزعج لأنني لن أصدقك بعد هذه المرة.. الكذب الأكثر انتشارا هو كذب الشخص على نفسه، مثلما قد يصدق، هتلر عندما قال: اكذب كذبة كبيرة ثم حاول تبسيطها وكررها في النهاية ستصدقها، وقد يصدق أيضا برنارد شو بقوله: عقاب الكاذب ليس بأن لا يصدقه أحد، لكن بأنه لن يصدق أحد.
نعم، هي كلمات مأثورة، لكن هل نحن بحاجة إليها، ونحن مسلمون نستنبط الحلال والحرام من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟.. الإجابة واضحة دون شك، ولا داعي لتبرير الكذب، فليس هناك كذب أبيض وآخر أسود، وبينهما كذب رمادي أو بنفسجي!
أعتقد أن الصدق هو وحده الطريق الآمن والضامن لتصحيح ما أفسده الكذب، داخل المجتمع والعائلة وفي الشارع.. وسط الطبقة السياسية، بين الأصدقاء والأحباب، بيننا كجزائريين، أصبح الكذب “شيطانا أخرس” يؤلبنا على بعضنا البعض، يفرّقنا، يمزق شملنا وثقتنا.. فاللهم لا تؤاخذنا ولا تعاقبنا بما فعله الكذابون منا وبنا.