آه ”علـّي جرى” للجزائريين!
بعض الأطراف سواء عند العرب أو الغرب، يعتقدون أن قلوب الجزائريين “ماتت”، وعواطفهم حفظت في الثلاجة، ولذلك هم غير مهتمّين ولا مكترثين للتغيّرات الحاصلة عبر عدد من البلدان في إطار رياح ما سمّي بـ”الربيع العربي”، والحال أن هذه الاعتقادات التي تبقى خاطئة في مجملها، وعارية من الصحّة، ينبغي أن تكون مرفوقة بالعودة إلى المأساة الوطنية التي مزقت الجزائريين لأكثر من عشرية.
دون شك، أن الجزائريين يبكون ويحزنون ويتقطعون في الصباح والمساء، لما جرى لإخوانهم في تونس ومصر واليمن وليبيا، ويجري لأشقائهم اليوم بسوريا الحبيبة، مثل ما انهاروا لما أصاب إخوانهم في العراق ولبنان والسودان والصحراء الغربية، ويتقطعون يوميا وإلى ما لا نهاية، لما يجري لأشقائهم في فلسطين، على أيدي الإسرائيليين وبتواطؤ من العرب والفرس والعجم!
لا أحد وقف أو سيقف مع كل الإخوان العرب والمسلمين، مثل وقفة الجزائريين، الذين يقفون مع كلّ مظلوم وضد كلّ ظالم، دون حسابات أو حساسيات، ودون عقدة ولا خوف، ودون انتظار لا جزاء ولا شكورا، وهذا امتياز “ماد اين ألجيريا”، حتى وإن تمّ استنساخه أو تقليده هنا وهناك، فإنه يبقى ملكا جزائريا، حقوق تأليفه محفوظة.
سنقف اليوم وغدا، مع كل قضية عادلة، ووقفنا وسنقف مع كلّ قضية تحرّر، وسنقف مع المظلومين حيثما كانوا وأينما وجدوا، وسنساند المطالب المشروعة للشعوب، وسنؤازر الإنسان كإنسان بعيدا عن الجنس واللون والدين، لكن، دون أن نحشر أنفنا في الشؤون الداخلية للدول، ودون أن نتدخل في ما لا يعنينا، لكننا سنكون واسطة خير للصلح بين المتخاصمين.
..كلّ هذا وغيره، يجب أن لا يُنسينا، مثلما لا ينبغي أن يُنسيهم، ما حدث للجزائريين خلال أكثر من عشر سنوات، عندما وقفنا بمفردنا في مواجهة كلّ المخاطر ومواجهة الموت التي لم نخشها، لأن الأعمار بيد الله، حتى وإن تعدّدت أساليب ووسائل الإبادة من طرف إرهاب أعمى جنـّد ”مغرّر بهم” وحوّلهم إلى ”أجهزة بشرية” مبرمجة للقتل والتقتيل!
لم نجد في عزّ تلك المواجهة الشرسة، لا صديقا ولا شقيقا، ولا حبيبا ولا حليفا ولا جارا ولا حتى “فاعلي خير” ممّن ينهون عن المنكر والفحشاء، وفجأة تحوّل الجميع إلى “أعداء” يتفرجون على “فيلم” عبر قنوات ووسائل إعلام أجنبية، اصطفت هي الأخرى في طابور التشفـّي واللامبالاة وعدم الاكتراث، ونقلت الصورة مشوّهة دون أن تنقل آهات الضحايا والثكالى واليتامى والمشردين والمطاردين من طرف إرهابيين باعوا ضمائرهم وإنسانيتهم لفتاوى مستوردة باسم ”الدين والجهاد”!
آه.. عندما نتذكر كيف هجرنا الإخوان، وكيف حرّض الأجانب على الفرار من الجزائر، وكيف حوّلنا هؤلاء وأولئك إلى “مشبوهين” يلاحقوننا عندما تطأ أرجلنا مطاراتهم وأراضيهم، ولم يسلم من هذه الملاحقات والإهانات والإساءات، لا المصلّي ولا تارك الصلاة، وكان كافيا أن تحمل الجنسية الجزائرية أو الجواز الأخضر، أو تظهر عليها ملامح ”النيف والخسارة”، حتى تصدر في حقك أوامر المرمدة والحجز!
آه.. عندما واجهنا بمفردنا ووحدنا، شبح الرعب عبر الشوارع والرصاص الغادر والقنابل الإرهابية بالأسواق ومحطات المسافرين والمقاهي، بالمداشر والمدن، وآه حين لم نجد أحدا يؤازرنا ويُواسينا ويشجّعنا، سواء من العلماء أو رجال الدين أو الأئمة أو المشايخ أو السياسيين، عبر البلدان التي ”تبكي” اليوم، وتحصد ما غرسته بأيديها، بل بالعكس، فإن أغلب هؤلاء أفتوا ضدنا، وفي أحسن الأحوال أغمضوا أعينهم!
..رغم كلّ ذلك، ورغم كلّ الذي أصابنا لعدّة سنوات، اللهمّ لا شماتة، وقلوب الجزائريين وجوارحهم مع كلّ من يعيش اليوم ما عشناه بالأمس.