-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في المحطات والأماكن العامة

أبناء الإطارات يبيعون قارورات الماء!

الشروق أونلاين
  • 2576
  • 0
أبناء الإطارات يبيعون قارورات الماء!

في هذا الموسم شديد الحرارة، وبمجرد أن تطأ قدماك السوق أو محطة الحافلات أو أي مكان عمومي، ينتهي إلى مسامعك صوت طفولي رقيق، يصرخ سارقا الصدى من ضوضاء المارة والمتدافعين: “أيا الماء بارد.. ماء بارد..”، ويتقرب منه المسافرون أو المتسوقون وقد أضعفتهم الحرارة، مستعدون للشراء بأي ثمن، صارت تلك حرفة الصغار في المدن الكبرى، ينتظرون اختتام السنة الدراسية، للالتحاق بها، فهي على الأغلب مربحة، مادامت تغري حتى أبناء الميسورين حالا.

قصر يحققون أحلامهم ببيع الماء! 

الساعة تشير إلى الثانية بعد الزوال، واليوم عطلة.. صادف أن بلغت الحرارة حوالي 35 درجة، بينما نحن ننتظر قدوم الحافلة، لاحظنا حركة غير طبيعية، لأطفال دون الخامسة عشرة من العمر، يحملون حزما من قارورات المياه المعدنية، وبما أن الجو حار، ركزنا النظر على جدار الجليد الذي يغلفها، وبينما يستمر في الذوبان تحت أشعة الشمس، قادتنا خطى ثابتة باتجاه طفل في الثالثة عشرة من العمر، يكاد ينتهي من بيع حمولته، إلا من قارورتين، اشتريناهما بمبلغ 60 دج، ثم مازحنا قائلا: “الماء متجمد، من المفترض أن تدفعي 100 دج”، وكأنه بعبارته قد أتاح لنا ما كنا نرغب بفعله، فسألناه عن السعر الحقيقي للقارورة الواحدة ليعلمنا بأنه في حوالي 12 دج، ولكن “الخبزة” تتطلب رفع السعر، ومنه استفسرنا عن سبب لجوئه إلى بيع قارورات المياه بالمحطة، وتبين لنا أن الفتى ليس معوزا كما كنا نتوقع، ولا في حاجة إلى المال من أجل تحسين ظروف العائلة: “أبي يملك محلا لبيع الأدوات الالكترومنزلية، وأمي أستاذة ثانوي، وكل إخوتي يعملون، أما أنا فاخترت العمل هذا الصيف لشراء هاتف متطور أكثر..”، للعلم أن الهاتف الذي يملكه هذا الفتى الصغير يتجاوز سعره العشرين ألف دينار.

! ليعتمد على نفسه

تركنا الصغير بعد أن لمحنا حافلتنا قادمة، امتطيناها، وفي الوقت الذي أغلقأ السائق محركه في انتظار امتلائها بالركاب، صعد طفلان، سنهما في حدود العاشرة، أحدهما يعلق على رقبته الصغيرة المنحنية إلى الأمام، سلة بلاستيكية بها قطع حلوى وأكياس صغيرة من المكسرات، وآخر يعانق حزمة قارورات من المياه، يقتربان من مقاعد الركاب ويطأطآن، مشيرين إلى سلعهم ومرددين “ماء بارد.. حلوى.. كاوكاو..”، كانت على المقعد الشمالي بالقرب منا، عجوز في السبعين من العمر، خاطبتهما أن: “اذهبا إلى البيت، للاختباء من حرارة الشمس..”، ثم التفتت يمينا، تحدثنا، “ابني إطار بمؤسسة وطنية، يبعث بابنه ذو الثانية عشرة لبيع الماء في مثل هذه الحرارة بالسوق المجاورة..”، رددنا عليها: “ربما راتبه لا يكفي العائلة، خاصة إن كانت كبيرة؟”، ابتسمت العجوز وهي تهز رأسها بالنفي: “الحمد لله، ميسور، ولكن يريد لأبنائه أن يعتمدوا على أنفسهم منذ الصغر، وأن يدركوا قيمة المال، وأهمية العمل..”.

والديا لا يعلمان! 

أثناء تنقلنا بالحافلة، ظل موضوع بيع الأطفال لقارورات المياه في الأماكن العامة محط تفكيرنا، ولم نتوان عن خلق الأسباب والحجج لهؤلاء وآبائهم، حتى بلغت بنا الحافلة محطتها الأخيرة، وبينما نهم بالنزول، لمحنا على الحافلة بالقرب منا طفلا آخر، انتظرنا نزوله حتى نتحدث إليه، وبالتأكيد علينا شراء قارورة ماء وإلا فلن يكلمنا، لأنه منشغل بتلبية طلب المسافرين العطشى، وربما من حسن الحظ أن ماءه قد نفد، فطلب منا أن نرافقه إلى محل بيتزا مجاور، حيث يضع سلعته داخل المبرد لديه، واتضح لنا بعد السؤال أنه يدفع مقابل هذه الخدمة التي تضمن له الاستمرار، حاولنا معرفة السبب الذي يمنعه من أن يضع سلعته بمبرد بيتهم، الأنه يسكن بعيدا عن المكان؟ فضحك.. ثم أخبرنا بأن والديه لا يعلمان بأمر عمله، وأنه سيعاقب في حال اكتشاف الأمر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!