أبو القاسم سعد الله… الأديب الشاعر
لا شك أن العديد من الناس يعرفون سعد الله بكتاباته التاريخية في الحركة الوطنية وتاريخ الجزائر الثقافي والترجمة والمخطوطات والتحقيقات وغيرها، لكن نقول إن سعد الله أيضا الاديب، قصائده عديدة ومتنوعة المتمعن فيها يلحظ فيها الانسان الفقير، المتأثر بحال الجزائر، نفسه تتوق دائما للاشادة بالكبار في شتى المجالات وأيضا الرفيق والصاحب .
وقلة منهم من يدرك أنه صحافيا وأديبا (قاصا وشاعرا)، من يطلع على إنتاجه في “البصائر” في خمسينيات القرن الماضي، يدرك الكثير منه، فبالاضافة إلى العديد من الكتابات الادبية، آثرت أن أنحو منحى آخر وهو تشخيص بعض من عمل الأستاذ الادبي وأنقل ما جادت به قريحته في الشعر بنوعيه (الحر والعمودي). فهو الأديب الشاعر قبل أن يكون مؤرخا محترفا.
لقد آمن سعد الله، بقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: “إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا”. (1) ، ولو لم يكن في الشعر الا الحكمة لكفته شرفا وفائدة، كيف لا والله تعالى يقول عن الحكمة: “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يتذكر إلا أولو الألباب” (2)
فسخر أدبه من شعر ونثر للقضايا الوطنية وللاشادة بعظماء الرجال لما قدموه للانسانية وهو حق لهم علينا، فنوع كتاباته سيما ما تعلق بالشعر، تارة الشعر الحر وأحيانا أخرى الشعر العمودي، ناهيك عن أعمال قصصية عديدة، ولتعريف القارئ الكريم ببعض مساهمات الاستاذ في مجال الادب، اقتطفت بعضا مما قاله في مواضيع شتى.
01 ـ إشادة الشاعر بالأديب الحفناوي هالي :
له قصيدة نظمها في الشعر العمودي تتألف من واحد وثلاثين بيتا، نظمها في حق الاستاذ الاديب الحفناوي هالي ـ أستاذ بالمعهد ـ عنونها بـ “قيثارة الأنغام”، مشيدا بخصاله وإنتاجه الفكري والبلاغي، إنه اعتراف من طالب على الطريق إلى أستاذ محترف في الأدب والبلاغة، نقتطع جزءا منها على سبيل المثال لا الحصر يقول :
من ذا الذي أنجبت هذا كوكب والخـلق قد سجدوا إلى الاجرام
أنجبت أضوأ كوكب في أفقـه نورا وأسـمى في سمـاء كـرام
وسمـوت لله العظيـم كـأنما جزت الفضاء على براقك “سامي”
أجمل به قمـرا كـأن بزوغـه والأفـق مجل وشـروق سـلام (3)
02 ـ ماذا قال سعد الله في محمد العيد آل خليفة؟
ـ لم ينس الاستاذ سعد الله الشاعر الجزائري أمير الشعراء محمد العيد آل خليفة، وخصص له من أدبه قصيدة شعر يثني فيها على الرجل، وبل يدعوه إلى العودة إلى هذا الفن لما فيه من أسرار لا يفهم معناها إلا الأديب، عنونها بـ “هزار (4) الشعر”، تتألف من واحد وعشرين بيتا اقتطفت بعضا منها، يقول:
يا حـالما بأمـاني الخلد يستـرها وفي الوجـود أمان هو باكيـها
مجـللا بوقـار الشيـب تدفعـه “روح التصـوف” رفافا بواديـها
إن الشيـوخ إذا لم ترو حكمتـها صدى الشباب.فلا جدوى له فيها
كم من شعوب أضاء الشعر منهجها إلى الحقيقـة فانجابت دياجيـها
عد للطبيعة وابعث حسنها نغـما فإنـما الشـعر ألحـان نغنيـها (5)
03 ـ إشادة سعد الله باابن باديس :
مؤرخنا وأديبنا الاستاذ سعد الله لا يفتأ دائما يذكر الرجال العظام الذين ماتوا وتركوا النهج والأثر، الذين لم يعيشوا لأنفسهم بل عاشوا لامتهم وللانسانية جمعاء، الذين وإن ماتوا فذكرهم يبقى حيا بيننا لأن مآثرهم ـ شئنا أم أبينا ـ تبقى خير شاهد عليهم، إنه رائد التجديد والإصلاح والنهضة في الجزائر الشيخ عبد الحميد ابن باديس، ذكره في قصيدة من أربعة وعشرين بيتا يقول:
أين ضوء الفجر في تلك الربـا سترت أنواره كـف الزمـان
ليـتتها تعلـم لمـا فـعلـت إن نبع النور طامي الفيـضان
ناج روح الفيلسوف قد ثـوى عبقري الرأي جياش الجنـان
أذهل التاريـخ مـا أحكمـه في الوجود من فنون ومبـان
وعقول تائهـات أصبحـت تنهل العرفان من كل مكـان
أنت للجـيل الجديـد مرشد أحسن التوجيه بالشرع القرآني
كنت خصبا ورواء ونـدى وسموا وهدى في المهـرجان
أورقت منـك عقول ذبـلت وانتشت منك قلوب ومغان
يا ابـن باديس هنـاء ضافـيا بالنعيم في الخلود والتهـاني (6)
04 ـ سعد الله الوطني الثائر:
كانت الثورة تسري في كيانه سريان الدم في العروق، لطالما أشاد بها وبالذين أشادوا بها وفي هذا السياق كتب قصيدة ـ من الشعر الحر ـ في كفاح الشعب الجزائري، ذات الأربعين بيتا عنونها بـ”الطيــن”، فيها الكثير من التفاؤل بمستقبل مشرق، داعيا إياهم إلى الصبر لأن الفرج قريب، اخترت بعضا منها، يقول:
يا أخي الضارب في دنيا الكفاح
أيها الساخر من عصف الريـاح
يا ابن أمي، أيها الدامي الجراح
اصطبر، وابشر بإشراق الصباح
فالغد المنشـود خفاق الجنـاح
***
يا أخي الرابض في تلك البطاح..
إنـك اليوم سفيـر الفـلاح
حولـك الأمة آمالا فسـاح
فخذ الحق اغتصـابا واكتساح
أيها الرابض في تلك البطـاح .. (7)
ـ وفي قصيدة أخرى عنونها بـ “احتــراق” ضمنها حبه الشديد لشعبه ووطنه، وتذكر الشهداء الذين رووا الأرض الطاهرة لا لشيء سوى ليتحرر من الاستعمار، القصيدة تتكون من خمسة عشر بيتا، اقتطف منه البعض على سبيل الاستدلال ليس إلا، يقول:
أيا شعب أنت وجودي وحبي وإيماني الفائض المستـراق
وأنت وداعي الذي لـن يذوب إذا وا الوجود عراه المحـاق
ولست أؤمـل غيـر اعـتاق يعيدك خلدا، نعيمك يغرى
ويـا وطـنا غامـرا بالمـاء تجرعـه العاديـات الـزؤام
يمـوت الشهيد ويثغو الوليـد وكل يبارك هـذا النـظام
وتخـطو الحـياة إلى غـايـة ونحن على عرشها والغمام
ويطوي الفناء صحائف حرب ولن تنطوي صفحة من سلام
هبـونا نطمئن قلـب الـدرام فقد تنطفئ جذوة بالـلظاء (8)
05 ـ سعد الله الصديق المهنئ للرفاق:
هي أنشودة “هناء” عنونها بـ “خميلة وربيع” نظمها للصديق الأستاذ ابراهيم مزهودي بزواجه الذي صاهر به أسرة إصلاحية مثقفة: أسرة المرحوم مبارك الميلي فقيد التاريخ والادب والاصلاح، يقول الاستاذ: “فإلى العروسين وإلى الزميل محمد الميلي وإلى الربيع الجديد أزف هذه الأنشودة الرمزية”. هذه الأنشودة في شكل حوار بين خميلة وربيع:
تقول خميلة: توشحت بالورد والياسمين ورحت اناجي الصباح العطر
وعلى شفتي ابتهال الحنيـن وفـوق البراعم ضوء القمر
ونمنمت لوني عـلى شفـتي قـهب الصبـاح يجــدده
يقول ربيع: خميل بحق الحنـان الوريـق وحق الحشائش من حولـك
بنا رفـرف الكـون بالعـبق ووشى الـروابي لـون قزح
وسالت مع الجـدول الدفـق رؤانا وشعر اللـقاء المـرح (9)
06 ـ سعد الله وهموم الفقراء والمحرومين :
و في قصيدة أخرى بعنوان “أنشودة المزارع والحقول”، فيها الكثير من الآهات والتأوهات، يستشعر الألم من الظروف التي ألمت به والفقر الذي يرافقه، ويرافق السواد الاعظم من الجزائريين، إنها كلمات تعبر عن أشياء عدة كانت تختلج صدر الأديب سعد الله، اخترت بعضا منها يقول:
طول النهار ….
استنبت الأرض الخراب
وأغالب البؤس المميت
لا البرد يقعدني ولا الريح العصوف
لا البؤس يرفق بي ولا المرض العضال
طول النهار …كاالالة الخرساء…أعمل مطلقا …
بدراهم وشتائم
لا غاية تدنو …و لا أملا طليق
دنيا من الحرمان والدم والشهيق
***
أنا هنا …
نحن العبيد …
عرقا وأعصابا وروحا
شبحا وإعصارا مبيد (10)
(*) أستاذ جامعي